عبد الوهاب الشعراني

443

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

صديدا ، فتقذر منه أهل البلد فأدخله داره وحلب له البقرة وسقاه من اللبن ثم شرب فضلته ا ه . وكان أخي أفضل الدين رحمه اللّه تعالى إذا رأى مبتلى يغشى عليه فإذا أفاق وقيل له في ذلك يقول : إنما خفت من سطوات الغضب الإلهي أن تلحقني لكوني أكثر منه عصيانا للّه تعالى ، فحكمي حكم من كان متهوما هو وآخر بقتل شخص ثم مسكوا صاحبه وعاقبوه بحضرته وهو ينظر فإنه يخاف ضرورة ، ولو كان من أشجع الناس ، فإن الشجاع ما له قوة إلا في أول إقدامه على البلاء ؛ وأما إذا مسك وتوعد بالقتل والضرب وأنواع العقوبات فإن قلبه يتجزع ، فو اللّه لقد خلقنا لأمر عظيم ولكن رحمة اللّه وسعت كل شيء . فعلم مما قررناه أن الحمد للّه يعظم ويكثر عند مشاهدتنا أهل البلاء على الحمد الواقع في حال غيبتهم عن عيوننا . وقد كان سيدي إبراهيم المتبولي إذا دخل مصر المحروسة من بركة الحاج يبدأ بدخول المارستان فيدور على أهل البلايا ويسلم عليهم ويصبرهم ولا يسلم على أحد من أهل مصر إلا بعد أهل المارستان ، فما كان يخرج إلا وهو حامد شاكر للّه تعالى بكل شعرة فيه . وقد حبب لي أن أذكر لك يا أخي جملة من الأمراض التي عافاك اللّه منها منشورة على أعضاء البدن من الرأس إلى الرجلين لتحدث عند ذكر كل مرض شكرا للّه عز وجل الذي عافاك من ذلك البلاء مع استحقاقك لأضعافه لا سيما إن كنت من الصالحين أو من العلماء العاملين ، فإن ميزان الحق تعالى منصوبة على هؤلاء بالتأديب والبلاء والمحن حتى لا يغفلوا لحظة واحدة عن ربهم ، فإن الغفلة عن الرب عند أهل اللّه عز وجل من أعظم الذنوب التي يقع الإنسان فيها ، وو اللّه لو أن عبدا عبد اللّه عز وجل مدة الدنيا كلها بعبادة الثقلين ما أدى شكر معافاته من مرض واحد من الأمراض . إذا علمت ذلك فأقول وباللّه التوفيق : ينبغي للعبد أن يتذكر ما أنعم اللّه به عليه من العافية صباحا ومساء ، ويشكر اللّه تعالى على ذلك ، فكم ممن هو بالصداع الحار أو البارد لا يفتر عنه ساعة ؟ وكم ممّن هو بالشقيقة لا تدعه يستلذ بنوم ؟ وكم ممن هو بالضارب ليلا ونهارا حتى كاد أن يعمى بصره ؟ وكم ممن هو مبتلى بالماليخوليا والصرع والفالج ورعشة الرأس ليلا ونهارا ؟ وكم ممن هو مبتلى بالتشنج والكزاز والاختلاج والاسترخاء والنزلات والوساوس السوداوية والقطرب والكابوس وبرد الرأس وقروحه وسدد الدماغ وغير ذلك ؟ وكم ممن انصبت المواد الرديئة في عينيه حتى أشرف على العمى أو عمي . وكم ممن طلع في عينيه السبل والظفرة والدمعة والشعرة والجرب والغشاوة والبياض . وكم ممن نزل الماء في عينيه وتربى في أجفانه الدود فهو يغلي في جفونه ليلا ونهارا وكل يوم يقلبون جفنه ويلحسون