عبد الوهاب الشعراني
439
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
الرحمة والمغفرة فيرجو فضل اللّه ورحمته ، فالعينان في آن واحد لأنهما يتعاقبان فافهم . ويحتاج من يريد الوصول إلى ذلك إلى شيخ يسلك به حتى يجعل له عينين بعد أن كان أعور ، وقد حثنا اللّه تعالى على حسن الظن به بقوله : « أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي خيرا » . فمن لم يظن باللّه خيرا فقد عصى أمر اللّه تعالى ، وقد مشى الصادقون من المريدين على هذه القاعدة مع أشياخهم ، فإن ظنوا بشيخهم أنه يحميهم من إبليس بنظره حماهم ، وإن ظنوا أنه لا يقدر على حمايتهم فلا يصح لهم حماية ، ولذلك أمروا مريدهم أن لا يغفل عن شهود كونه معه لأنه ما دام يشهد شيخه ملاحظا له فهو محفوظ من كل آفة ، ومتى غفل عن ذلك جاءته الآفات من كل جانب . ومما جربناه نحن أن من كان اعتقاده فينا متوفرا مهما طلب من الحوائج قضى له ، ومن لم يكن اعتقاده فينا متوفرا لم نقض له حاجة ولو كنا أقطابا فالمدار على حسن ظن المتوجه للشيخ لا على الشيخ وربما نقضي حاجة المعتقد ولم يكن يعلمها الشيخ إلا إن أعلمه بها المتوجه إليه فاعلم ذلك وسل اللّه تعالى أن يرزقك حسن الظن عند الموت ، فربما كان الإنسان حسن الظن باللّه تعالى حال الصحة فإذا حضرته الوفاة أساء الظن بربه فيجني ثمرة ذلك ، فعلم أن حسن الظن ليس في العبد وإنما هو مثل قوله تعالى : وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ آل عمران : 102 ] . أي استصحبوا صفات الإسلام دائما ، ولا تتركوها نفسا واحدا فكل وقت جاءكم الموت وجدكم مسلمين فافهم ذلك فإنه نفيس ، وقد بسطنا الكلام على ذلك في أواخر عهود المشايخ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى الترمذي وقال حديث حسن مرفوع : « قال اللّه تعالى يا ابن آدم إنّك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي ، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السّماء ثمّ استغفرتني غفرت لك ، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثمّ لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة » . وقراب الأرض بكسر القاف وضمها أشهر : هو ما يقارب ملؤها . وروى الترمذي وابن ماجة وابن أبي الدنيا : « أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دخل على شابّ وهو في الموت فقال : كيف تجدك ؟ قال أرجو اللّه يا رسول اللّه وإنّي أخاف ذنوبي ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يجتمعان في قلب عبد مؤمن في مثل هذا الموطن إلّا أعطاه اللّه تعالى ما يرجو وآمنه ممّا يخاف » . وروى الإمام أحمد وغيره مرفوعا : « إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول للمؤمنين يوم القيامة هل أحببتم لقائي ؟ فيقولون : نعم يا ربّنا ، فيقول لم ؟ فيقولون : رجونا عفوك ومغفرتك فيقول قد أوجبت لكم مغفرتي » . وروى الشيخان مرفوعا : « قال اللّه عزّ وجلّ : أنا عند ظنّ عبدي بي » .