عبد الوهاب الشعراني
427
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وروى الإمام أحمد ورواته ثقات عن الضحاك بن سفيان : « أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال له : يا ضحّاك ما طعامك ؟ قال اللّحم واللّبن ، قال : وإلى ماذا يصير ؟ قال : إلى ما قد علمت يا رسول اللّه ، قال : فإنّ اللّه ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدّنيا » . زاد في رواية : « إن قرّحه وملّحه » . أي نثر عليه الفلفل ، يقال قرحت القدر إذا وضعت فيه الأبزار ، وملحه معروف . وروى الإمام أحمد والبزار وابن حبان في « صحيحه » والحاكم والبيهقي مرفوعا : « من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته ، ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى » . وروى الحاكم مرفوعا وقال صحيح الإسناد : « حلوة الدّنيا مرّة الآخرة ، ومرّة الدّنيا حلوة الآخرة » . وروى الطبراني بإسناد حسن مرفوعا : « من أشرب حبّ الدّنيا التاط منها بثلاث : شقاء لا ينفد عناه ، وحرص لا يبلغ غناه ، وأمل لا يبلغ منتهاه » . وروى البيهقي مرفوعا : « هل من أحد يمشي على الماء إلّا ابتلّت قدماه ؟ قالوا لا يا رسول اللّه قال : كذلك صاحب الدّنيا لا يسلم من الذّنوب » . وروى الإمام أحمد والبيهقي مرفوعا وإسنادهما جيد : « الدّنيا دار من لا دار له ، ولها يجمع من لا عقل له » . وزاد البيهقي : « ومال من لا مال له » . والأحاديث في ذلك كثيرة ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . [ فضل الجوع وعدم الشبع في الدنيا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نجوع ولا نشبع كل الشبع من الطعام في دار الدنيا ، وذلك لأن اللّه تعالى مدح البكائين من خشية اللّه ، ولا يبكي خالصا إلا من كان جائعا ، وأما الشبعان فمن لازمه التفعل في البكاء والتفعل لا يقبله اللّه تعالى ، وما لا يتوصل إلى المقصود إلا به فهو مقصود . فجع يا أخي لتبكي وتدخل حضرة ربك في صلاتك وغيرها مع الخائفين من سطواته ، ولا تشبع تطرد إلى حضرة البهائم والشياطين . وهذا العهد قلّ من يعمل به الآن من غالب الناس بل ربما أكل أحدهم الشهوات وشبع من الحرام ، بل رأيت جماعة انهمكوا في أكل الشبهات حتى قست قلوبهم ، فلا تكاد تجد أحدا منهم يبكي عند سماع موعظة وباعوا دخول حضرة ربهم بشهوة البطن . واعلم يا أخي أن البكائين من خشية اللّه عز وجل قد قلوا من الدنيا ، وآخر من رأيته من البكائين عند سماع القرآن والموعظة سيدي الشيخ علي البحيري تلميذ سيدي علي النبتيتي ، وتلميذ الشيخ شهاب الدين بن الأقيطع رحمهما اللّه ، كان إذا سمع آية عذاب في حق الكفار بكى حتى يبل لحيته وتصير عيناه تهملان من الدموع ، وكذلك كان شيخه سيدي عليّ وشيخنا الشيخ زكريا فكانا يبكيان حتى كأن النار لم تخلق إلا لهما وبعدهم قلّ