عبد الوهاب الشعراني

423

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

فوطن يا أخي نفسك أن يقع من أصحابك جميع ما تقدم في حق أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الأدب معه ، ومن ضده في حقه وحق أصحابه وذلك إما ليستن بهم من بعدهم وهو اللائق بمقامهم وإما أن يكون ما وقع من سوء الأدب في بعض الأوقات بيانا لعدم العصمة ثم يتوبون على الفور ، فكيف يطلب مشايخ النصف الثاني من القرن العاشر من تلامذتهم أن يكونوا معهم على الأدب في جميع أحوالهم ، هذا شيء كالمحال ، فإن شيئا لم يصح لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أصحابه كيف يصح لأحد بعدهم ؟ مع أنهم خير القرون ومع شهودهم علو مقامه صلى اللّه عليه وسلم ، وما كان عليه من الزهد والعبادة وكثرة المعجزات ومع كونه أرحم بالمؤمنين من أنفسهم ، فلا تطلب يا سيدي الشيخ من تلامذة القرن العاشر أن يكونوا في الأدب فوق أدب الصحابة ، هذا مما لا يكون : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . ثم لا يخفى عليك يا أخي أن الزهد في الدنيا لا يكون إلا فيما هو حلال خالص . وأما ترك ما فيه شبهة فلا يسمى زهدا وإنما هو تورع ، فعلى هذا لا تجد الآن زاهدا إلا أن يكون في علم اللّه لا نعلمه نحن ، لأن غالب ما بأيدي الخلائق الآن من الأموال للشرع عليه اعتراض وما بقي إلا أن يأكل الإنسان أكل المضطر ويلبس لبس المضطر ، وكل من رخص لنفسه هنا فربما شدد اللّه عليه الحساب يوم القيامة وبالعكس ، وقد صار في أفواه غالب الناس هات حرام وبس ، وهذا لا ينبغي لمؤمن أن يتلفظ به لأنه كالاستهزاء بمناقشة الحق تعالى له يوم القيامة . وكذلك لا يخفى عليك يا أخي أن من الشبهات ما يأخذه شيخ الزاوية باسم الفقراء ، ويختلس منه شيئا لنفسه ، فهو ولو كان حلالا من أصله فقد صار شبهة من حيث النصب . وقد أخبرني من أثق به أن شيخا له سبحة وسجادة أعطاه الباشات ألف نصف على اسم الفقراء المقيمين بزاويته فلم يعط فقيرا منها نصفا وقال هذه شبهات وقد انشرح صدري أن أحمل عنكم حسابها ، فاشترى له بها صوفا وتزوج بالباقي فنفرت منه فقراء الزاوية ولم يبق لهم فيه عقيدة . فإياك يا أخي أن تفعل مثل ذلك إذا عملت شيخا ، وفي قصة سلمان الفارسي أنه لما قرب ظهور رسالة نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم صار سلمان يسيح في البلاد لعله يعثر عليه ، فدل على راهب فذهب إليه فوجده صائم الدهر لا يأكل شيئا من الشهوات فخدمه حتى مات فرأوا وراءه ثلاثة قماقم فيها نحو نصف أردب فضة فرجمه الرهبان ولم يصلوا عليه ، فسأل عمن يدله على اللّه تعالى فدل على راهب آخر على قدم عظيم في الزهد والعبادة فخدمه ، فلما مات وجدوا وراءه مالا جزيلا فرجمه الرهبان ولم يصلوا عليه ، فدل على ثالث فذهب إليه فوقع له مثل الأولين فرجموه ولم يصلوا عليه فدل على النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى أن كان ما كان . وقد بلغنا أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يزهد جميع أصحابه في الدنيا ، ثم