عبد الوهاب الشعراني

418

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

الطبيعة ، وورعه وزهده لا حقيقة له ، وهذا ورع أكثر الناس اليوم كأنه يظن بنفسه أنه كان قادرا أن يأكل ما قدر عليه من الحرام ، ومنع نفسه منه ، وغاب عنه أن كل شيء تركه تبين أنه لم يقسم له فكيف يرى بذلك نفسه ؟ فالورع الحقيقي إنما هو حماية اللّه تعالى للعبد فلا يقسم له الأكل من شيء للشرع عليه اعتراض ، فيستخرج له الحلال كما يستخرج له اللبن من بين فرث ودم . وقد درج العلماء العاملون كلهم على عدم أخذهم من الدنيا فوق زاد الراكب . وقد بلغنا أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام لما غضب من سلطان مصر حمل أمتعة بيته على حمارته وأركب زوجته فوقها وخرج من مصر ، فانظر يا أخي شيخ الإسلام واعتبر به رضي اللّه عنه ، واللّه يتولى هداك . ثم يتعين على كل من ادعى المشيخة في الطريق أن يتظاهر برمي الدنيا وترك مطاعمها اللذيذة وملابسها النفيسة وفرشها الرفيعة ومراكبها المسومة ، وذلك لئلا يتبعه المقتدون فيهلكون فإنهم لا يتعقلون مشهده بتقدير صدقه وربما كذبوه في دعواه حين يرون أفعاله تخالف أقواله ، فيحجبهم شاهد الفعل عن شاهد القول . وكذلك يتعين على الشيخ أن يكون أكثر من المريدين سهرا لليل وأكثر جوعا ، وأقل لغوا وأكثرهم صدقة ، وذلك ليكون إماما يقتدون به في الأفعال ، وأما إذا كان أكثرهم نوما وأكثرهم أكلا حتى صار بطنه كبطن الدب أو أكثرهم لغوا أو أقلهم صدقة وخيرا ، فإنهم يرون نفوسهم عليه ضرورة فلا يثبت له قدم في الإمامة وتطرده المرتبة عنها ودعواه المشيخة زور وبهتان لا برهان عليه . وقد دخلت امرأة على سيدي الشيخ عبد القادر الجيلي فرأته في ملابس ومآكل وفرش ودخلت على ولدها عنده فوجدته على برش وعنده كسرة يابسة وملح ، فرجعت إلى الشيخ وقالت يا سيدي لا يطيب خاطري بإقامة ولدي عندك إلا إن أطعمته مما تأكل وكان بين يديه دجاجة فقال إذا صار ولدك يحيي الموتى بإذن اللّه أطعمته من طعامي ، ثم أمر الدجاجة فانتفضت من الإناء وصارت حية ، ثم ذهبت إلى حال سبيلها ا ه . فلولا أن الشيخ أقام البرهان على طعامه اللذيذ لفارقته تلك المرأة وهي منكرة عليه . وكذلك يتعين على الشيخ أن يوطن نفسه على تحمل أذى من يأمره من إخوانه بأنه يترك الدنيا وهو لم يشرف على الدار الآخرة بقلبه ، فإنه كالكلب العاكف على الجيفة كل من منعه من الأكل منها يكشر أسنانه ويهبهب عليه ، وربما عضه حتى يرجع عنه ، فليكن أمر الشيخ إخوانه بترك الدنيا بسياسة ورفق ورحمة وتقديم مقدمات وذكر ما كان السلف الصالح عليه ثم يقول يرحم اللّه من اقتدى بهم . وليحذر من التكدر منهم بالباطن إذا عصوا أمره وليس عليه إلا أن يظهر لهم عدم الرضا بكثرة رغبتهم في الدنيا لا غير كما يظهر الوالد غضبه لولده إذا خالفه ، ويعبس في وجهه وقلبه راحم له مشفق عليه ، وربما ضربه بالعصا وربما نخست الأم ولدها بالإبرة في يده حتى أخرجت دمه ومع ذلك فيقضي