عبد الوهاب الشعراني

413

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

الفاقة والحاجة بمعنى أننا نرى من كثرة ذنوبنا أننا لو تصدقنا منها كل يوم أو ساعة بالألف الأردب الذهب لا يكفرها ، فنحن ننقبض لزوال الدنيا من كفنا كما ننقبض لوقوع المعاصي على يدينا سواء . وأما من حيث الرضا عن اللّه تعالى فيما قسمه فلا نختار غير ما اختاره لنا ، فإن وسع علينا الدنيا فرحنا وإن ضيقها علينا فرحنا بذلك ، وعلى ما قررناه من محبة الكمال للدنيا يحمل حال العباس عم النبي صلى اللّه عليه وسلم لما أمر له النبي صلى اللّه عليه وسلم بعطاء وصار يحثو في بردته فلما أراد أن يحملها عجز فما بقي يهون عليه أن ينقص منها ولا هو يقدر يحملها فكان قصد العباس رضي اللّه عنه بأخذه الكثير من الذهب إظهار الفاقة ولتكثر الصدقة والنفقة على يديه ، لا أنه يأخذها ويمنع نفسه منها من الخير كما هو شأن أبناء الدنيا فافهم ، فو اللّه إني لأحب لجميع أصحابي أن لو كان مع كل واحد مثل أحد ذهبا وأكره لهم ضيق اليد بشرطه الشرعي ، وما منع اللّه أهل القناعة باليسير من الدنيا إلا فتحا لباب الراحة للعبد وإراحته من تعب المزاحمة على الرزق ، ومعاداة إخوانه المسلمين لأجلها . وأما من يسأل اللّه تعالى كل ساعة توسعة الدنيا لينفقها على خلق اللّه فلا حرج عليه ، ولا مضايقة له في حق أحد فحكم من يطلب من اللّه كثرة الدنيا لينفقها حكم من يطلب من اللّه كثرة الأعمال الصالحة ليدين اللّه تعالى بها سواء لأن كلاهما عبادة . وكان فيما نسخت تلاوته « لو أنّ لابن آدم واديين من ذهب لابتغى ثالثا ، ولو أنّ له ثالثا لابتغى رابعا ، ولا يملأ عين ابن آدم إلّا التّراب ، ويتوب اللّه على من تاب » . ويجب استثناء جميع الأنبياء والأولياء من محبة ذلك وإن كانوا من بني آدم لعصمتهم أو حفظهم من محبة الدنيا لغير اللّه تعالى . وقد كان أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه يقول في قوله تعالى : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا [ آل عمران : 152 ] أي للآخرة وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [ آل عمران : 152 ] أي للّه . فعلم أن الكمل لا يضرهم كثرة الدنيا وما رد صلى اللّه عليه وسلم جبال الذهب حين عرضها اللّه عليه إلا تشريعا لأمته خوفا عليهم أن لا يبلغوا مقام العارفين فيها فيهلكوا فكان رده لذلك من باب الاحتياط لأمته خوفا أن يقتدوا به ظاهرا في الأخذ ولا يقدروا يتبعونه في الإنفاق ، ويؤيد ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ما يسرّني أنّ لي مثل أحد ذهبا يمضي عليه ثلاثة أيّام وعندي منه درهم واحد إلّا درهم أحبسه لدين » . فقوله : ما يسرني أي أن يكون عندي مثل أحد ذهبا وأحبسه عن الناس ، فما تبرأ إلا من حبسه لا من إنفاقه كما هو سياق الحديث . فاعمل يا أخي على خروج حب الدنيا من قلبك بالكلية حتى تصير تنقبض لدخولها عليك ، ثم اعمل على محبتها للإنفاق في سبيل اللّه حتى لا تصير تقنع بجميع ما في الدنيا أو لو دخل في يديك ثم أنفقته لأن غايتك أنك أنفقت دون جناح الناموسة ، وأنا أعطيك