عبد الوهاب الشعراني
400
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
ولفظ رواية أبي داود والنسائي مرفوعا : « مثل الجليس الصّالح كمثل صاحب المسك إن لم يصبك منه شيء أصابك من ريحه ، ومثل جليس السّوء كمثل صاحب نافخ الكير إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه » واللّه سبحانه وتعالى أعلم . [ الترغيب في الجلوس للقبلة : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نجعل جلوسنا دائما للقبلة عملا بعموم قوله تعالى : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [ البقرة : 144 ] . أي نحو الكعبة ، اللهم إلا أن يكون أحدنا جالسا في حلقة فقبلة أحدنا حينئذ وجوه أصحابنا من حيث إن المؤمن مرآة المؤمن ؛ ولا يخفى أن توجه العبد لأخيه في غير صلاة أفضل من توجهه للقبلة ، فإن لم نجد من نستقبله من المسلمين استقبلنا القبلة لأنها تليه في المرتبة : وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وروى الطبراني بإسناد حسن : « إنّ لكلّ شيء سيّدا ، وإنّ سيّد المجالس قبال القبلة » . وفي رواية له أيضا : « إنّ لكلّ شيء شرفا ، وإنّ شرف المجالس ما استقبل به القبلة » . قال الحافظ : وفي الباب أحاديث غير هذه لا تسلم من مقال ، واللّه أعلم . [ ترغيب التجار والذين يسافرون إلى الشام في جعل نيتهم سكنى الشام لأمر للشارع بذلك : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نرغب إخواننا التجار الذين يسافرون إلى الشام أن يجعلوا معظم نيتهم امتثال أمر الشارع في سكنى الشام دون التجارة ، فإن التجارة حاصلة تبعا ولو لم ينووها ؛ وذلك ليكونوا في سكناهم الشام تحت امتثال أمر الشارع فيثابوا على ذلك ، بخلاف ما إذا جعلوا نيتهم التجارة فقط فلا يحصل لهم أجر عند بعضهم ، لحديث : « إنّما الأعمال بالنّيّات » . ولا ينافي ما ذكرناه قول سلمان الفارسي لأبي الدرداء : إن الأرض المقدسة لا تقدس أحدا ، وإنما يقدس كل إنسان عمله . لأنا نقول إذا أمرنا الشارع بشيء فلا نخرج عن العهدة إلا بفعله ، فنسكن في الشام امتثالا لأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معولين على فضل اللّه لا على أرض الشام ، وكذلك القول في حق من أقام بمكة والمدينة لأجل فضل الصلوات هناك يقيم لأجل مضاعفة الأجر في الصلوات هناك ، ولا يعتمد في نجاته في الآخرة إلا على اللّه تعالى دون الأعمال الصالحة ، فافهم . وكان لفظ أبي الدرداء الذي أرسله إلى سلمان الفارسي : أما بعد فهلم يا أخي إلى الأرض المقدسة فلعلك تموت فيها فكتب إليه سلمان : أما بعد ، يا أخي فقد بلغني كتابك وفهمت ما فيه وإن الأرض المقدسة لا تقدس أحدا ، وإنما يقدس كل إنسان عمله والسلام .