عبد الوهاب الشعراني

385

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

بلغ في الفسق ما بلغ ، فالحمد للّه رب العالمين . وهذا العهد قد صدرت به كتاب عهود المشايخ المسمى « بالبحر المورود في المواثيق والعهود » ، وذكرت فيه علامات من تحقق بهذا العهد حتى يسلم له دعوى التواضع ، فإن الإنسان ربما يقول بلسانه نحن من أقل الناس نحن تراب ، وإذا احتقره إنسان أو نقصه تضيق عليه الدنيا بما رحبت ، فأين قوله نحن من أقل الناس ؟ ولو أنه كان صادقا لرأى أن جميع ما نقصه المنقوصون دون ما يعرفه هو من صفات نفسه الخبيثة . وقد عثرت من رجال التواضع الخلقي بجماعة في مصر المحروسة وصحبتهم ، وانتفعت بصحبتهم . منهم شيخ الإسلام الشيخ نور الدين والطرابلسي الحنفي والشيخ شهاب الدين بن الشلبي المفتي الحنفي ، والشيخ ناصر الدين الطبلاوي الشافعي ، والشيخ ناصر الدين اللقاني المالكي ، وشيخ الإسلام الشيخ شهاب الدين بن النجار الحنبلي ، والشيخ نور الدين الطندتائي الشافعي ، والشيخ شهاب الدين الرملي فهؤلاء هم الذين أطلعني اللّه تعالى على تواضعهم الخلقي الذي لا تفعل فيه . والفرق بين المتواضعين أن التواضع الخلقي يرى صاحبه نفسه دون الناس حتى إنك لو أردت أن ترفعه عليك لا يرتفع عند نفسه أبدا . وقد شهد النبي صلى اللّه عليه وسلم للشيخ نور الدين الطندتائي بالتواضع في واقعة رأيتها ، وذلك أني رأيته قريبا في حضرة النبي صلى اللّه عليه وسلم مقدما على مشايخه ، فقال شخص يا رسول اللّه ما سبب قرب هذا منك ولم يكن أكثرهم علما ولا صلاة عليك ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « قربه مني تواضعه » . وأما المتصوفة بمصر فما رأيت منهم أكثر تواضعا من الشيخ إبراهيم الذاكر رضي اللّه عنه . المقيم بالجاولية بالقرب من جامع ابن طولون . وقد كان الإمام أبو القاسم الجنيد يقول : لا يبلغ أحمد درجة المتواضعين من أكابر العارفين حتى يرى أن نفسه ليست بأهل أن تنالها رحمة اللّه ، وإنما رحمة اللّه له محض امتنان : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى مسلم وأبو داود وابن ماجة مرفوعا : « إنّ اللّه تعالى أوحى إليّ أن تواضعوا حتّى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد » . وروى مسلم والترمذي مرفوعا : « ما نقصت صدقة من مال ، وما زاد اللّه عبدا بعفو إلّا عزّا ، وما تواضع أحد للّه إلّا رفعه اللّه » . وروى الطبراني : « طوبى لمن تواضع في غير منقصة ، وذلّ في نفسه من غير مسألة » . وروى الترمذي والنسائي وغيرهما مرفوعا : « من مات وهو بريء من الكبر والعلوّ والدّين دخل الجنّة » . قال الحافظ وقد ضبط بعض الحفاظ الكبر بالنون والراء وليس بمشهور : وروى الطبراني مرفوعا : « من تواضع لأخيه المسلم رفعه اللّه ، ومن ارتفع عليه