عبد الوهاب الشعراني

367

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

إلى خواطرهم بالإحسان إليهم ، حتى يميلوا إليه ، فإذا مالوا فلينصحهم إذ ذاك . وقد بلغنا أن داود عليه السلام كان يغلظ القول على عصاة بني إسرائيل ، حتى أنه ربما يقول : « اللّهم لا ترحم من عصاك » ، فلما وقع في الخطيئة التي ذكرها اللّه تعالى صار يقول : « اللهم اغفر للخطائين حتى تغفر لداود معهم » ، ثم أوحى اللّه تعالى إليه : يا داود ، المستقيم لا يحتاج إليك والأعرج أغلظت عليه بالقول حتى نفر منك ونفرت منه فلماذا أرسلت ؟ ، فتنبه داود لذلك وصار يطوف على بني إسرائيل في بيوتهم ويكلمهم بالكلام اللين ويعظهم بالموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن . قلت : وقد أقبلت مرة من سفر الريف على خان بنات الخطأ فرأيت صاحبة حملة مهر البغايا فسلمت عليها وكلمتها بكلام لين وعرضت لها بالتوبة فتابت ، وجاءت بزوجها فتاب الآخر من تلك المعصية حتى ماتا . وكلمت مرة يهوديا بكلام حلو فأسلم وحسن إسلامه ، ثم سافر إلى بيت المقدس فعمل خادما فيه حتى مات . وسيأتي في عهود المنهيات أن جماعة من الفسقة مروا في زورق في الدجلة على معروف الكرخي وبين أيديهم الخمر وآلات اللهو ، فقالوا له : يا سيدي ادع اللّه تعالى عليهم ، فقال : ابسطوا أيديكم معي ، فبسطوها فقال معروف : « اللهم كما فرحتهم في الدنيا ففرحهم في الآخرة ، فقالوا له : كيف ذلك ؟ فقال : يا أولادي إذا فرحهم في الآخرة تاب عليهم في الدنيا فطوينا لهم التوبة في الدعاء » . قال شيخنا شيخ الإسلام زكريا في « شرح رسالة القشيري » ، وهذا من معروف غاية السياسة وغاية اللطافة ا ه . وكثيرا ما كاتبت اليهود والنصارى أصحاب المكوس والمظالم في تخفيف المظالم عن المسلمين وأقول في كتابي لهم أسأل اللّه للمعلم فلان أن يرضى عنه ويدخله الجنة مع الصديقين والشهداء والصالحين ، وأضمر له سؤال التوبة من الكفر ليصح دخوله الجنة ، وربما أنكر ذلك من لا علم له بطرق السياسة ، فإني أعلم أني لو قلت له : اسأل اللّه للمعلم أن يتوفاه على الإسلام لنفر خاطره مني ولم يقبل شفاعتي ، كما ينفر المسلم من قول أحد له أسأل اللّه أن يميت البعيد على غير الإسلام ، قال تعالى : كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ [ الأنعام : 108 ] . فاعرف يا أخي طرق السياسة وعود نفسك طيب الكلام ، فإنه أحسن سواء كان المخاطب صالحا أو طالحا : وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وروى مسلم مرفوعا : « لا تحقرنّ من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق » .