عبد الوهاب الشعراني
363
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وقد كان سيدي علي الخواص رحمه اللّه يقول : لي مع ابنة عمي سبع وخمسون سنة ما أظن أننا بتنا ليلة واحدة صلحاء إلى يومنا هذا . وحكي عن الشيخ جلال الدين شارح « المنهاج » أنه كان له فتى قوي الرس كثير اللعب فكان الشيخ يذهب إلى الفرن بخبز ويمر عليه وهو يلعب فيقف عليه وهو حامل طبق الخبز ويقول ويلك قم تعال كل من هذا الخبز السخن فلا يقوم له فيذهب الشيخ إلى البيت ويرجع له ثاني مرة يطلبه للغذاء رضي اللّه تعالى عنه ، وكذلك من أعظم حسن الخلق أن تغفر وتسامح لمن آذاك من الناس عملا بقوله تعالى : وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [ الشورى : 37 ] . وكذلك من أعظم حسن الخلق أن يكون الإنسان نفاعا للناس ومع ذلك يذمونه وينقصونه فلا يمنعه ذلك من النفع لهم ، وذلك كنقيب الفقراء وناظر وقفهم فإن من لازمهم غالبا ذم الفقراء لهما وحملهما على محامل سيئة ، وإن جميع ما يصل إليهم إنما هو فضلة النقيب والناظر . وقد كان الشيخ بدر الدين بن دنيا شيخ نقباء سيدي الشيخ أبي السعود بن أبي العشائر يعمل الطعام الفاخر من عنده للفقراء والزوار ، ويقول شخص خرج لكم عن هذا الطعام ويوهمهم أن ذلك من غيره ثم يسمعهم يقعون في عرضه ويقولون هذا لا يأتينا إلا بما فضل عنه ومع ذلك فلا يصده ذلك عن الإحسان إليهم ، بل يفرح ويقول العبد لا يعامل إلا اللّه وأما الخلق فمفاليس ليس معهم شيء يأخذه منهم يوم القيامة ، وقد حكيت ذلك لسيدي علي الخواص فقال هذا من أعظم أخلاق الرجال فاعلم ذلك واعمل عليه واللّه يتولى هداك . وروى مسلم والترمذي : « أنّ رجلا سأل النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن البرّ والإثم فقال البرّ حسن الخلق ، والإثم ما حاك في صدرك : أي تردّد وكرهت أن يطّلع عليه النّاس » . وروى الشيخان والترمذي : « عن عبد اللّه بن عمر قال لم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاحشا ولا متفحّشا ، وكان يقول من خياركم أحسنكم أخلاقا » . وروى الترمذي وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن ، وإنّ اللّه يبغض الفاحش البذيّ » . أي المتكلم بالفحش وبذيّ الكلام . وفي رواية للبزار : « وإنّ صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصّوم والصّلاة » . وروى الترمذي وابن حبان في « صحيحه » والبيهقي : « أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن