عبد الوهاب الشعراني

350

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

تعالى أن يذم عبده ، وأما نحن فليس لنا الاشتغال بذم الخلق خوفا من وقوعنا في غيبتهم ، ورجوعنا في أمرهم إلى القسمة الأزلية فيه رائحة عذر لهم وأسلم لديننا ، فعلم أن الكريم جعل اللّه تعالى أرزاق الخلائق على يديه ومدحه فضلا منه ، والبخيل لم يجعل لأحد على يديه رزقا وذمه عدلا منه فما أطعم كريم قط أحدا من رزقه هو وإنما أطعمه ما قسمه الحق تعالى لذلك الآخذ ، ولو أراد أن يمنعه لما قدر وليتأمل الإنسان في نفسه يطبخ الدست الطعام الكبير في داره ويتعب في تحصيله ولا يقسم له منه لقمة ويأتي الضيف فيأكل منه ، فالمنة للّه تعالى الذي خلق وقسم والعبد كالقناة الجاري منها الماء أو كالدست أو كالمغرفة فمن مدح القناة أو الدست أو المغرفة في المجالس ونسي اللّه فهو خرف العقل . فإياك يا أخي أن تطلق لسانك فيمن وردت عليه فلم يطعمك شيئا لا سيما الأولياء المكملون من أصحاب الكشف فإنهم ما منعوك عن بخل وإنما ذلك لكونك لم يقسم لك شيء على يدهم لكونهم خرجوا عن شهود الملك لشيء من الكون دون اللّه ويرون نفوسهم كالوكيل الذي عين له المالك جماعة يعطيهم وجماعة يمنعهم فليس له تعدي مراسم المالك الحقيقي أبدا فهم يودون أنه يقسم على يدهم شيء لذلك الممنوع فلم يجبهم الحق تعالى لذلك لما سبق في علمه ، وقد قالوا : أقبح من كل قبيح صوفي شحيح أي يشح على الناس بحكم الطبع والجبلة لا بحكم الكشف وعدم القسمة . وقد أخبرني شيخنا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه اللّه تعالى أنه قدم هو وجماعة على سيدي إبراهيم المتبولي ببركة الحاج فأبطأ عليهم بالضيافة ، قال ثم خرج إلينا فقال ما بقي شيخ في هذا الزمان إلا للقمة ، فإن كان عندنا مدد فهو في لقمتنا ، ثم شق لنا بطيخة وصار يفرق علينا من غير ترتيب السنة فأراد بعض أصحابي أن يعترض عليه ، فقلت له الأدب ولكن أرخوا هذه الواقعة فأرخناها فكانت تفرقته على ترتيب الأعمار فالذي أعطاه أولا مات أولا والذي أعطاه ثانيا مات ثانيا وكنا اثني عشر نفسا ، فلم يتقدم متأخر على متقدم أخذ الشقة قبله ، ثم قال لي يا ولدي الاعتقاد ربح والإنكار خسران رضي اللّه تعالى عنه . وسمعت أخي أفضل الدين يقول : إياك أن تضيف إنسانا أو يخطر في بالك المقابلة إذا وردت أنت الآخر عليه بل أطعمه لوجه اللّه لا تريد منه جزاء ولا شكورا ، ومتى خطر في بالك أنه يقابلك إذا وردت عليه فلست مخلصا بل أنت مراء والمرائي أجره حابط من أصله ، قال وهذا هو حال غالب الناس اليوم ، فإن علمت ذلك يا ولدي من إنسان فلا تأكل له طعاما لا سيما الفلاحون ، فإن أحدهم لا يتكلف لمن ورد عليه إلا على نية طلب العوض لعجزهم عن بلوغ مقام الإخلاص وإن شككت فجرب ا ه . قلت : وقد سافرت مرة إلى سيدي أحمد البدوي أزوره فعزم علي شخص وذبح لي شاة وجمع أهل بلده عليها ، فحصل لي منها عضة من ذنبها من غير زيادة فما رجعت مصر ومكثت نحو سبعة أيام إلا وهو داخل إليّ ومعه سبعة عشر نفسا ، وكنت متجردا من الدنيا لا أقبل من أحد شيئا مطلقا ، وليس لي حرفة ، فأرسلت السوق وجئت لكل واحد