عبد الوهاب الشعراني
345
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
إليه خبر : « الكبرياء إزاري والعظمة ردائي ، فمن نازعني واحدا منهما قصمته » . فثم صفات لم يأذن الحق في التخلق بها ، وثم صفات أذن لعباده في التخلق بها كالكرم والصفح والحلم ونحو ذلك . وسمعت سيدي الشيخ عبد الحليم بن مصلح رحمه اللّه يقول : ما خرج أحد لزيارة عالم أو صالح ليستفيد علما أو أدبا إلا ورجع بما كان فوق أمله من ذلك ، وما خرج أحد لإنكار أو انتقاد إلا ورجع محملا بالأوزار ، لأن العلماء باللّه تعالى جارون على الأخلاق الإلهية في نحو حديث : « أنا عند ظنّ عبدي بي » . وفي نحو حديث : « المسجد بيتي ، فمن دخل المسجد لشيء فهو حظّه » . واعلم أن الزيارة مأخوذة من الزور : أي الميل ، يقال زار فلان فلانا إذا مال إليه ، ومن شرط صحة الميل لشخص أن يعمى عن مساويه . وقد بلغنا عن السلف أنهم كانوا إذا خرجوا إلى زيارة عالم أو صالح تصدقوا بصدقة وطلبوا بذلك أن اللّه تعالى يعميهم عن مساوىء ذلك المزور ، فكانوا لا يخرجون من عنده إلا بفائدة ، ولو لم يكن هو من أهلها أجراها اللّه تعالى على لسانه لموضع صدق الزائر . وكان سيدي علي الخواص رحمه اللّه يقول : إذا زارت عيالكم بعض إخوانكم فلا تتكلفوا في الطبيخ عندهم ، وخففوا الأمر جهدكم ، فإن طبختم عندهم الطعام كلفتوهم إلى مثل ذلك ، ثم لا تناموا عندهم إلا إن كانت الدار واسعة المرافق تسعكم وتسعهم من غير مشاركة في دخول بيت الخلاء ، ويكون الزمان زمان صيف ، فإن كانت الدار ضيقة أو في ليالي الشتاء ، فارجعوا ناموا في بيوتكم . واستأذنه مرة بعض إخواننا فيما يطبخه عند أصهاره من الطعام ؟ فقال : تسمع نصحي فقال : نعم ، فقال خذ أذناب البقر من قاعة الدهن واسلخها وفكك عظمها واصلقها في الماء ، فإذا علا الدهن فوق الماء فاقشط الدهن وكب الماء الزفر وضع في الدست ماء نظيفا واسكب الدهن عليه ، ثم حط عليه شوية أرز أو شوية دشيش قمح ، فقال يا سيدي ، أستحي أدخل لبيت أصهاري بأذناب البهائم ، فقال : يا ولدي إن الذنب لا ينظر أحد إليه بخلاف الأشياء الفاخرة وهذا لا يقدر عليه إلا من خلص حاله مع اللّه ولم يراع أحدا من وجوه العظم . وسمعت سيدي عليا المرصفي رحمه اللّه يقول : لا ينبغي للمريد أن يزور ولا يزار لغلبة الآفات عليه ، فلا هو مرصد للتربية ليقتدى به ولا المزور معد لتربيته ، وربما سمع من ذلك الشيخ الذي زاره كلمة موافقة لهواه فتسر بها نفسه فهلك ، وأراد سيدي محمد الشناوي زيارة شيخ من مشايخ عصره فشاور شيخه الشيخ محمد بن أبي الحمائل رحمه اللّه فنظر إليه شزرا ، وقال : يا محمد لا ينبغي لمريد أن يأخذ عن شيخ إلا إذا علم أنه