عبد الوهاب الشعراني
322
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وروى الطبراني مرفوعا ورجاله رجال الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من علم من أخيه سيّئة فسترها ستر اللّه عليه يوم القيامة » . وروى ابن ماجة بإسناد حسن مرفوعا : « من ستر عورة أخيه المسلم ستر اللّه عورته يوم القيامة ، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف اللّه عورته حتّى يفضحه بها في بيته » . وروى الترمذي وغيره مرفوعا : « يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه ، لا تؤذوا المسلمين ولا تتّبعوا عوراتهم ، فإنّ من تتبّع عورة أخيه المسلم تتبّع اللّه عزّ وجلّ عورته ، ومن تتبّع اللّه عورته يفضحه ولو في جوف رحله » . ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة فقال : ما أعظمك وما أعظم حرمتك ، والمؤمن أعظم حرمة عند اللّه منك . وسيأتي في عهود المنهيات زيادة على ذلك فراجعه ، واللّه تعالى أعلم . [ إعانة من يقيم الحدود : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نعين من يقيم الحدود على إقامتها ومن يؤدب ولده أو تلميذه على تأديبه ولا نعارضه في ذلك ولا نداهن فيه مساعدة على إقامة شعار الدين ، وتطهيرا للمحدودين والمجلودين للتأديب ، ومن سعى في عدم جلدهم أو حدهم فقد غشهم وآذاهم في دينهم بإبقاء دنسهم ونجاستهم ، فهو يزعم أنه يحبهم وفعله فعل من يكرههم . فإياك يا أخي أن تشفع فيمن وقع فيما يوجب الحد من شرب الخمر وقذف عرض أو يوجب التأديب من سفه صغير على كبير ، أو طفل على أمه أو أبيه ، أو تلميذ على شيخه فإن ذلك غش له ، بل ساعده على تطهيره ما أمكن ، وإن تكدر منك في الدنيا أو في الصغر فسوف يشكرك على ذلك في الآخرة أو عند بلوغ درجة الرجال في الطريق ، ويقول جزاك اللّه عني خيرا ؛ وينبغي للمؤدب أن يفتش نفسه عند ضرب التأديب فربما يكون عنده من الطفل نفس من جهة شكوى زوجته مثلا ، لقلة قضائه حاجتها ونحو ذلك فتحرش عليه والفقيه في الغالب كثير السماع لزوجته فيجعل طوخا في مليج ويبتكر له ذنبا ويمسك عليه الغلطة ثم يضربه موهما للناس أن ذلك الضرب للتأديب وإنما هو لتحريش امرأة الفقيه . وقد قال لي الشيخ نور الدين الجارحي وكان من أهل العلم الكبار : يا ولدي قد أحسست بعقلي نقصا ، فقلت له : من أي شيء ؟ فقال : أنا بالنهار مجالس للأطفال ، وبالليل مخالط للنساء فسرق طبعي منهم ا ه ، فليحذر الفقيه من ذلك . وأما شيخ الطريق إذا أدب مريدا فلا ينبغي أن يقال له فتش نفسك في ذلك لأن الأشياخ قد خرجوا عن حضرات التلبيس والتشفي للنفوس ، إنما يؤدبون التلميذ محض شفقة ورحمة كضرب الأم ولدها ونخسها له بالإبرة حتى يخرج الدم فلا يحملها أحد إلا على محض التأديب ،