عبد الوهاب الشعراني
314
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
الحكام بالجور والظلم ليجبر تعالى خلل ما فرطوا فيه من العبادات ، وربما كانت البلايا والمحن في حقهم أنفع لهم من الصدقات والخيرات وأكثر أجرا وأثقل في موازينهم ا ه . وكان سيدي إبراهيم المتبولي رضي اللّه عنه يولي الناس الملاح عند الظلمة وأهل المكوس ويقول : إذا وقف أحدكم في هذه الوظيفة وعمل فيها خيرا وستر على من يراه من التجار والسوقة ولم يأخذ منها شيئا ، كان أفضل له من أن يجلس يسبح اللّه تعالى في سبحة ، وكان يقول لهم : إياكم أن تقفوا لمصلحة نفوسكم وحرروا نيتكم على مصالح المسلمين ، وكل من قدرتم عليه من الهاربين من المكس فاكتموا أمره عن المكاسين . وكان سيدي علي الخواص رحمه اللّه يقول لصاحب الجهة : لا تظن أن تفريطك على الناس يكثر مالك ، وإنما يكثره تفريج الناس من المكس ، فتخرج من وظيفتك سالما من الديون السلطانية لكونك قللت من مظالمك للّه تعالى . وكان يقول : أعطوا الخفراء عادتهم إذا جئتم إلى مصر من الحجاز أو الشام على وجه أن ذلك خفارة لا مكس ، فإنكم ما جئتم إلا في ظل سيف السلطان ، ولولا وجود السلطان ما استطاع أحد منكم أن يخرج إلى البراري بماله وحريمه ، وكان يقول : أخفوا عن المكاسين كل ما قدرتم على إخفائه ، فإن خفتم ضررا من إخفائكم فأعطوهم عادتهم ، فربما غمز أحد عليكم فصرتم تسألونهم بأضعاف ما كانوا يأخذونه منكم فلا يرضون ، وربما حبسوكم وضربوكم ، وكان يقول : لو أن التجار قاموا بما عليهم للّه تعالى في أموالهم من الصدقات الواجبة والمستحبة لم يسلط عليهم مكاسا ولا ظالما ، لكن لما بخلوا ومنعوا حق اللّه تعالى سلط اللّه تعالى عليهم الظلمة ، قال : ونرجو من فضل اللّه تعالى في الآخرة أن يخفف بذلك حسابهم كما يفعل بجميع المظالم ، قال تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [ الشورى : 30 ] . فعلم أن وجود الولاة الصالحين والوزراء الناصحين تابع لأعمال الخلائق من الرعية استقامة وعوجا ، فإن قال الرعية نحن لا نقدر أن نستقيم في أعمالنا قلنا لهم فاعذروا ولاتكم فإنهم عنكم تفرعوا ، فكما لا قدرة لكم على الكف عن الأعمال السيئة فكذلك لا قدرة للولاة على رد الجزاء السئ عنكم فاعذروهم بما تعذرون به نفوسكم ، فأسسوا هذا الأساس أولا ثم انسبوا لهم الظلم ولنفسكم العوج ، واستغفروا اللّه كلكم ، لأن التوبة هي الرجوع إلى تقدير اللّه ، وإنه لا راد لما قضى ، وفي هذا أدب عظيم مع الحق تعالى باطنا ، لكن لما كان فيه رائحة لإقامة الحجة على ربه وجب عليه إخفاؤه وإظهار أنه عصى باختياره واستحق العقوبة ، ومن لم ينظر بهاتين العينين فهو أعور من فقير وفقيه : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى أبو داود وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « إذا أراد اللّه بالأمير خيرا جعل له وزير صدق ، إن نسي ذكّره ، وإن ذكر أعانه ، وإذا أراد اللّه به غير ذلك ، جعل له وزير سوء ، إن نسي لم يذكّره ، وإن ذكر لم يعنه » .