عبد الوهاب الشعراني
308
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
فأنا أتاثر على إخواني إذا فاتهم شيء من الخير أكثر مما يتأثر أحدهم إذا فاته ذلك ، وأحب لهم أن لا يكون معهم من الدنيا سوى ما يسد جوعتهم ويواري عورتهم ، وأكره لهم الزيادة من الدنيا التي تشغلهم عن ربهم وهم لا يكرهون ذلك وأحب لهم الأمراض التي تكفر عنهم خطاياهم وأفرح لهم بها وهم يغتمون من ذلك وينقبضون له وأحب لهم أن يصبروا على ظلم الناس لهم ، وأذاهم لهم ، ويرضون بالصك والضرب بالنعال ، وأكره لهم الانتصار لأنفسهم وهم يحبون ذلك وهكذا ، فأنا أشفق عليهم وعلى دينهم من أنفسهم اقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وسيأتي في عهود المنهيات التي رأيت في واقعة لوحا نزل من السماء في سلسلة من فضة في أرض من البلور الأبيض فرأيت فيه ثلاث عيون تتفجر ماء أبيض من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج ، مكتوب على العين العليا : مستمد هذه العين من اللّه ، ومكتوب على الوسطى مستمد هذه العين من العرش ، ومكتوب على السفلى : مستمد هذه العين من الكرسي فألهمني اللّه أن أشرب من عين العرش فشربت منه حتى رويت ، فقصصت ذلك على الشيخ شهاب الدين المعبر ، فقال تتخلق بالرحمة على جميع العالم على حسب الحد المشروع ، فالحمد للّه رب العالمين . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : من شروط من تخلق بالرحمة على العالم أن يعامل الجماد معاملة الحي ، فيمسك كوز الماء مثلا ويضعه برفق وشفقة ، خوفا أن يتألم من الوضع قال : وقد وضعت الكوز مرة بعنف فقال : آه ، فمن ذلك اليوم وأنا أضعه برفق . وكان رضي اللّه عنه يملأ قعاوي الكلاب ويقول : إنهم مساكين لا يقدرون يملأون من البئر إذا عطشوا ويمنعهم الناس من دخول دورهم ، ومن الشرب من حيضان دوابهم خوف التنجيس . وكان يرسل بعض تلامذته إلى المذبح فيأتي بشعث اللحم وبالطحال ونحوهما للقطط كل يوم ويقول : إن غالب الناس اليوم لا يطعم قطة الدار شيئا ، وإنما تخطف كل ما قدرت عليه إذا جاعت على رغم أنفه . وكان يتفقد النمل الذي في شقوق الدار ويضع له الدقيق ولباب الخبز على باب جحره ويقول : يمنعهم من الانتشار لأجل القوت ، فإن النملة إذا جاعت خرجت تطلب رزقها ضرورة ، وعرضت نفسها لوقوع حافر أو قدم عليها فتموت أو تنكسر رجلها ، فإذا وجدت ما تأكل على باب جحرها استغنت عن الخروج ا ه . قلت : ومما وقع لي أن زوجتي فاطمة القصبية أم ولدي عبد الرحمن نزل عليها حادر وأشرفت على الموت وغابت عن إحساسها وصاحت أمها وأهل الدار عليها حين رأوا أمارات الموت فحصل عندي كرب شديد لأجلها من جهة موافقتها للمزاج ودينها وخيرها فإذا بقائل يقول لي : ادخل مجاز الخلاء تجد ذبابة في شق سحبها ضبع الذباب وهي صائحة يريد أكلها فخلصها ونحن نخلص لك زوجتك ، فدخلت وأصغيت إلى الشق