عبد الوهاب الشعراني
306
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
رضيت باللّه ربّا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمّد صلى اللّه عليه وسلم نبيّا ورسولا ، وبالقرآن حكما وإماما ، نجّاه اللّه منه » واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في ترويض النفوس : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نروّض نفوسنا إذا طلبنا الدخول على الظلمة ومخالطتهم بالورع عن شبهات الدنيا والزهد في حلالها ، فإذا أحكمنا المقام في ذلك دخلنا بعد ذلك على كل ظالم وخرجنا من حضرته سالمين من الإثم إن شاء اللّه تعالى . وأما من دخل إليهم من غير أن يروض نفسه في الورع والزهد فمن لازمه غالبا الآثام والسكوت على منكراتهم ، لأن من يستمطر من أحد حسنة يخاف من تغير خاطر ذلك الأحد عليه ولو كان في ذلك سخط اللّه كما جرب ، بخلاف من يدخل إليهم زاهدا فيما بأيديهم بحيث لو قبلوا نعله ليأخذ مالهم لا يلين إليهم خوفا من اللّه ، فهذا يخرج سالما من الإثم ومن تسليطهم عليه بضرب أو حبس أو تحويل نعمة . ولما وشوا بذي النون المصري وجيء به من مصر إلى بغداد ، مقيدا مغلولا في محنة وقعت له فلما مروا به على عجوز تسرح كتانا في مخزنها فقلت : ما هذه الكبكة ، فقالوا لها إنهم أتوا بذي النون المصري إلى الخليفة ليقتله لزعم أهل مصر أنه أتلف عقائد الناس ، فقالت العجوز ائتوني به فأتوها به ، فقالت له : يا ذا النون إن أردت النصرة على من ظلمك بين يدي الخليفة فاستحضر عظمة اللّه تعالى ، ومثل نفسك أنت والأخصام والخليفة بين يدي اللّه عز وجل وهو الحاكم ، وإياك أن تخاف من الخليفة فيسلطه اللّه عليك ، وإياك أن تجيب عن نفسك فيكلك اللّه إليها ، بل اسكت وارض بعلم اللّه فيك ، وانتظر ما ينطق اللّه تعالى به الخليفة في شأنك ، فقال لها نعم ، فلما مضوا به إلى بين يدي الخليفة ادعى عليه أهل مصر بأنه زنديق أتلف عقائد الناس ، فقال له الخليفة : ما تقول ؟ فقال : ماذا أقول ؟ إن قلت لا كذبتهم وأنا أستحي أن أكذب مسلما ، وقد سافروا من مصر إلى هنا لتنصرهم علي وإن قلت نعم كذبت نفسي وظلمتها وطالبني اللّه بها فسكت الخليفة ثم قال : إن كان هذا زنديقا فما على وجه الأرض مسلم ، ثم صنع له محفة وفرش له فيها نحو ويبة من الذهب ، وقال أنفقه في سفرتك ولا تنسنا من دعائك ، فمر ذو النون على العجوز وقال لها ، جزاك اللّه عني خيرا . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : من لم يعطه اللّه التصريف في الظلمة بالعزل والتولية وتحويل النعم وتأثيره في أبدانهم فليس له الإكثار من الدخول عليهم في شفاعة ولا غيرها لا سيما في هذا الزمان الذي قد صار الفقير فيه عند الظلمة من أحقر الناس لا يقبلون له شفاعة إما لعدم مشي الفقير على قواعد الصالحين ، وإما لعدم استحقاق الناس للشفاعة فيهم ا ه . وقد صحبت أنا جماعة من الولاة على قدم الزهد فيما بأيديهم فلم يردوا إلى شفاعة إلى أن عزلوا أو ماتوا ، فأحكم يا أخي مقام الزهد في أموالهم وهداياهم ثم ادخل عليهم ليلا ونهارا في الشفاعات لا يضرك ذلك إن شاء اللّه تعالى . وقد