عبد الوهاب الشعراني
303
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
الحديث : « لا ينتصر عبد من عبيدي بي أعلم ذلك من قلبه يقينا فيكده أهل السّموات وأهل الأرض إلّا نصرته عليهم » . وفي الحديث أيضا : « أنا وليّ من سكت » . فلما جربت ذلك في هلاك خصمي صرت أقابله ببعض الأذى صورة باللسان من غير قلب رحمة به وخوفا عليه من سطوات الحق حين ينتصر تعالى لي ، وفي القرآن العظيم : إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [ محمد : 7 ] . وقد جرب أن من غضب للّه غضب اللّه لغضبه ، ومن غضب حمية جاهلية لم يغضب الحق لغضبه لأنه لم يغضب للّه خالصا . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : من قوى قلب أخيه على الصبر على من أذاه فقد نصره أيضا ا ه ، وهو لائق بأهل الرياضات من الفقراء لا بكل الناس ، فإن من يطلب أجره من اللّه ويعفو ويصفح قليل في الناس اليوم ، وغالب الناس اليوم ليس قصدهم إلا أمور الدنيا وما رخص اللّه تعالى للخلق في مقابلتهم من أساء عليهم إلا تنفيسا لهم ، أما من أقدره اللّه على كظم غيظه فترك المقابلة له أفضل بلا خلاف ، مع أن رخصة المقابلة مشروطة بقدر ما يسكن به الغضب خوفا من إثارة فتنة أعظم من فتنة عدم المقابلة ، فإن بعض الناس ربما يمنع من أن يقابل عدوه بالسيئة فيزداد حنقا ويقع منه الأذى لخصمه أضعاف ما آذاه به . ولما تأمل أهل اللّه تعالى في تسمية سيئة المجازاة سيئة تركوا المقابلة وقالوا : إذا قابلنا المسئ بقدر إساءته فماذا الذي تركناه من السوء ؟ فنحن إذا من أهل السوء ، وأيضا فإن اللّه تعالى إنما شرط في سيئة المجازاة المثلية تعريضا لعدم المؤاخذة ، فإن المثلية لا تكاد توجد لتعذر مساواتها للسيئة الأصلية في التأثير والأذى وفي موافقة الألفاظ أو الأفعال أو الحاضرين ذلك المجلس وغير ذلك ، فلذلك سارعوا إلى الصفح . وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى أبو داود مرفوعا : « ما من مسلم يخذل مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلّا خذله اللّه تعالى في موطن يحبّ فيه نصرته ، وما من مسلم ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلّا نصره اللّه في موطن يحبّ فيه نصرته » . وروى أبو الشيخ ابن حبان مرفوعا : « أمر بعبد من عباد اللّه أن يضرب في قبره مائة جلدة فلم يزل يسأل ويدعو حتّى صارت جلدة واحدة فامتلأ قبره عليه نارا ، فلمّا افرنقع عنه وأفاق قال علام جلدتموني ؟ قالوا إنّك صلّيت صلاة بغير طهور ومررت على مظلوم فلم تنصره » .