عبد الوهاب الشعراني
292
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وقد بلغنا عن الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه أنه ترك أكل البطيخ الهندي والأصفر وقال : لم أعرف كيفية أكله صلى اللّه عليه وسلم له ، وما رأت عيني في فقراء العصر أحرص على فعل السنة من سيدي محمد بن عنان ، ومن سيدي يوسف الحريثي ، ومن سيدي محمد بن داود بنواحي المنزلة ، لو أن الدنيا بحذافيرها أعطوهما ولم يعرفوا كيفية قبضها المشروع لتركوها كما يترك أحدهم البعرة . وقد حضرت الشيخ يوسف الحريثي ليلة وفاته فقال لي : يا ولدي في نفسي غم ، الذي خرجت من الدنيا ولم أعرف كيفية تخليل اللحية في الوضوء بحديث صحيح أو حسن وقد سألت عن ذلك الشيخ عثمان الديمي والشيخ جلال الدين السيوطي وغيرهما فلم يشفوا غليلي من ذلك ، هذا لفظه ليلة وفاته ، ثم توفي بعد نحو عشر درج رحمه اللّه . وقد بوب الحافظ المنذري على أكل اللحم بقوله : باب الترغيب في نهش اللحم دون تقطيعه بالسكين إن صح الخبر ، واللّه أعلم . وسمعت سيدي عليا الخواص يقول : إن كان اللحم مثل مخ الدجاج أو الحمام فقربه إلى فيك لخفته وكل ، وإن كان كبيرا مثل ورك الخروف والإوز المعلوف فاقطع منه بالسكين ثم خذ القطعة الخفيفة وانهش لحمها من على عظمها . وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى أبو داود والترمذي واللفظ له والحاكم وقال صحيح الإسناد مرفوعا : « انهشوا اللّحم نهشا فإنّه أهنأ وأمرأ » . وفي رواية للحاكم عن صفوان بن أمية قال : « رآني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنا آخذ اللّحم عن العظم بيدي ، فقال : يا صفوان قلت : لبّيك ، قال : قرّب اللّحم من فيك فإنّه أهنأ وأمرأ » . قال الترمذي حديث غريب ، وقال الحافظ عبد العظيم لا بأس به في المتابعات . وروى أبو داود وغيره مرفوعا : « لا تقطعوا اللّحم بالسّكّين فإنّه من صنيع الأعاجم ، وانهشوه نهشا فإنّه أهنأ وأمرأ » . قال الحافظ : وقد صح أن النبي صلى اللّه عليه وسلم احتز من كتف شاة فأكل ثم صلى ، واللّه تعالى أعلم . [ استحباب الاجتماع على الطعام : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نجتمع على الطعام كلما نأكل مع عيالنا وأولادنا وإخواننا وهو مجرب للبركة في الرزق ، وفيه ائتلاف القلوب ، وفي الحديث : « شرّ النّاس من أكل وحده وجلد عبده ومنع رفده » . فلو لم يكن في الاجتماع إلا خروجنا عن صفة شرار الناس بنص كلام الشارع لكان في ذلك كفاية في الزجر ، وقد من اللّه تعالى علي بانشراح الخاطر بالأكل مع الناس ،