عبد الوهاب الشعراني

282

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

بين الخمسة دراهم إلى العشرين درهما . وروى ابن أبي الدنيا مرفوعا : « شرار أمّتي الّذين غذوا بالنّعيم ، الّذين يأكلون ألوان الطّعام ، ويلبسون ألوان الثّياب ، ويتشدّقون في الكلام » واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في التصدق بالثوب الخلق : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نتصدق بالثوب الخلق أو العمامة الخلقة أو النعل الخلق إذا لبسنا الجديد ، وإنما لم يأمرنا صلى اللّه عليه وسلم بالتصدق بالجديد ، لأن النفس تتبعه في الغالب ، ومن تصدق بما تتبعه نفسا فأجره ناقص ، فعلم أن من لم تتبع نفسه الجديد فالتصدق به أولى ، إلا أن يكون من الكاملين أو في مقام المجاهدين ، فإن الكامل فرغ من مجاهدة نفسه ، وأمر بالإحسان إليها ويعاملها على الأجانب لكونها أقرب الناس إليه ، والأقربون أولى بالمعروف . وأما من كان في مقام المجاهدة ، فإنه مأمور بمخالفة النفس فيما تهواه فيتصدق بالجديد ولو تبعته نفسه حتى يغلبها نزاعها له ، وسوف يدخل إن شاء اللّه مقاما لا تتبع نفسه شيئا يعطيه لأحد من الناس ، ولو كان أنفس ما يكون كما جربناه وذقناه ، قال تعالى : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ آل عمران : 92 ] . وقد سمع سيدي علي الخواص رحمه اللّه فقيرا يقول : خليقة للّه ، جديد للّه ، كسيرة للّه ، فنزع له خلقته ، وأعطاه جديدا وكسرة وقال : لما سمعته يقول للّه ، كاد لحمي يذوب من الحياء ، ولو سألني جميع ما علي للّه لأعطيته له ، وكان الحظ الأوفر لي لما أرى للّه علي من المنة في إعطائي كل ما طلبه الفقير للّه فإن الفقراء غافلون عن طلب العوض على ذلك في الآخرة ، لكونهم لا يشهدون لهم مع اللّه ملكا يعطون منه أحدا ، وإنما نعيمهم ولذتهم في الأخذ من الحق ، وإعطاء ذلك ثانيا للحق كما يلتذ من ألبسه السلطان بيده خلعة ثم بعد مدة يقول له أعطها للفقير الفلاني ، وأنا ألبسك خلعة أخرى أنفس من تلك في الثمن واللون والرقة ، فإذا أعطاها ألبسه السلطان أخرى بيده . وقد قال لي الأمير يوسف بن أبي أصبغ : نزع لي السلطان قايتباي مضربته وألبسها لي بيده فكدت أن أغيب من لذة يده ، فكانت عندي ألذ من جامكية وظيفتي . وألبسه السلطان الغوري مرة ثوب صوف وعمامة فأعطاهما لي ، فأبيت أن ألبسهما أدبا مع السلطان فحلف علي فلبستهما ، وكان سجاف الصوف بسبعة عشر دينارا ذهبا فضلا عن الصوف ، وأما الشاش فكان عرضه نحو سبعة أذرع ، ثم بعد مدة تصدقت بهما فالحمد للّه الذي خلع علينا ملابس الملوك . وحكى لي سيدي علي الخواص رحمه اللّه أن السلطان قايتباي أرسل لسيدي إبراهيم المتبولي سلاري فلبسه ؛ وتحزم عليه بحبل حلفاء وصار يعزق في الغيط ، وهو لابسه فصار كله وحلا ثم نزعه وأعطاه لفقير ، وقال له بعه وانتفع بثمنه . فاعلم ذلك واعمل عليه واللّه يتولى هداك .