عبد الوهاب الشعراني
280
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وفي رواية لمسلم وغيره أيضا : « إنما كان فراش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي كان ينام عليه أدما حشوه ليف » . وروى أبو داود والبيهقي عن عقبة بن عبيد السلمي قال : « استكسيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكساني خيشتين فلقد رأيتني وأنا أكسي أصحابي » والخيشة ثوب يتخذ من مشاقة الكتان تغزل غزلا غليظا وتنسج نسجا رقيقا ، وقوله : وأنا أكسي أصحابي أي وأنا أعظمهم وأعلاهم كسوة . وروى أبو داود وابن ماجة والترمذي عن بريدة قال : « لو رأيتنا ونحن مع نبينا صلى اللّه عليه وسلم وقد أصابتنا السماء حسبت أن ريحنا ريح الضأن » . قال الحافظ : ومعنى الحديث أنه كان ثيابهم الصوف ، وكان إذا أصابهم المطر تجيء من ثيابهم ريح الصوف . وزاد في رواية للطبراني في آخره « إنما لباسنا الصوف ، وطعامنا الأسودان التمر والماء » . وروى أبو يعلى والترمذي واللفظ لأبي يعلى أن علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ورضي عنه قال : خرجت في غداة شاتية جائعا ، وقد أوبقني البرد ، فأخذت ثوبا من صوف قد كان عندي ، ثم أدخلته في عنقي وأخرمته على صدري أستدفىء به ، واللّه ما كان لي شيء أكمل منه ، ولو كان في بيت النبي صلى اللّه عليه وسلم شيء لبلغني فذكر الحديث ، إلى أن قال : ثم جئت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجلست إليه في المسجد وهو مع عصابة من أصحابه ، إذ طلع علينا مصعب بن عمير في برد له مرقعة بفروة ، وكان أنعم غلام بمكة وأرفعه عيشا ، فلما رآه النبي صلى اللّه عليه وسلم ذكر ما كان فيه من النعيم ، ورأى حاله التي عليها فذرفت عيناه فبكى ، ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أنتم اليوم خير أم إذا غدي على أحدكم بجفنة من خبز ولحم وريح إليه بأخرى وغدا في حلّة وراح في أخرى ، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة ؟ قلنا بلى نحن يومئذ خير نتفرّغ للعبادة ، قال بل أنتم اليوم خير » . ولفظ رواية الترمذي عن علي قال : خرجت في يوم شات من بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أخذت إهابا مطويا فجوبت وسطه فأدخلته في عنقي وشددت وسطي فحزمته بخوص النخل وإني لشديد الجوع ، فذكر الحديث . ومعنى جوبت : خرقت في وسطه خرقا كالجيب وهو الطوق الذي يخرج الإنسان منه رأسه ، والإهاب الجلد ، وقيل ما لم يدبغ . وروى البيهقي : « أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نظر إلى مصعب بن عمير مقبلا عليه إهاب كبش قد تنطّق به ، فقال النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم انظروا إلى هذا الّذي نوّر اللّه قلبه ، لقد رأيته بين أبوين يغذّيانه بأطيب