عبد الوهاب الشعراني

239

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

حول الحمى يوشك أن يقع فيه » الحديث . وفي رواية للبخاري وغيره : « ومن اجترأ على ما شكّ فيه من الإثم يوشك أن يواقع ما استبان » ومعنى يوشك أي كاد وأسرع . وروى الإمام أحمد بإسناد حسن مرفوعا : « البرّ ما أطمأنّت إليه النّفس واطمأنّ إليه القلب ، والإثم ما حاك في القلب وتردّد في الصّدر وإن أفتاك النّاس وأفتوك » . وفي رواية لأحمد بإسناد جيد : « البرّ ما سكنت إليه النّفس واطمأنّ إليه القلب والإثم ما لم تسكن إليه النّفس ولم يطمئنّ إليه القلب وإن أفتاك المفتون » . وفي هذا الحديث سلامة من سوء الظن بالناس فإنه ما تورع صاحب العلامات الظاهرة إلا مع سوء الظن بذلك الشخص الذي تورع عن طعامه مثلا ولو أنه حسن به الظن لأكل طعامه وهذا ورع المتنطعين وفيه أيضا آفة وهي الشهرة بالورع بين الناس بخلاف من يعمل بميزان قلبه يكون ورعه مستورا واللّه أعلم . وروى الشيخان : « أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم وجد تمرة في الطّريق فقال : لولا أنّي أخاف أن تكون من تمر الصّدقة لأكلتها » . وروى الترمذي والنسائي وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » . زاد في رواية للطبراني : « قيل يا رسول اللّه فمن الورع ؟ قال : الّذي يقف عند الشّبهة » . وروى البخاري أن أبا بكر قدم إليه غلامه شيئا فيه شبهة فأكله ، ولم يعلم فلما علم قاء كل شيء في بطنه . قلت : وفي هذا الحديث بيان عدم عصمة غير الأنبياء ، وأن المحفوظ قد يقع في الحرام ولكن من عناية اللّه تعالى بأوليائه أن لا يترك الحرام يقيم في باطنهم . وربما يكون ما وقع فيه أبو بكر إنما كان ليعلم الأمة أن يتقيؤا ما أكلوه من الحرام لا غيره ، وكان ذلك حراما صورة كما وقع لآدم عليه السلام في أكله من الشجرة واللّه تعالى أعلم . وروى الطبراني مرفوعا : « أفضل الدّين الورع » . وفي رواية له أيضا : « خير دينكم الورع » . وروى ابن ماجة والبيهقي مرفوعا : « كن ورعا تكن أعبد النّاس » . قلت : وإنما كان المتورع أعبد الناس لأن من أكل الحلال الخالص يصير لا يمل من العبادة ومن لا يمل فهو أعبد ممن يمل على اختلاف طبقات الناس كثرة وقلة واللّه تعالى أعلم .