عبد الوهاب الشعراني

236

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

جهل منه وأصل ذلك كثرة أكله هو من الحرام والشبهات ، فظن أن أحدا لا يسلم من ذلك قياسا عليه هو ، وغاب عنه أن اللّه تعالى إذا اعتنى بعبده طهره من الخبائث ، ويسر له الحلال الصرف الخالص ، فلولا ما سبق في علم اللّه تعالى من خبث نفس هذا القائل ما ساق إليه الخبيث ، قال تعالى : الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ [ النور : 26 ] . فمن خبثت نفسه سيقت للخبيث ، وسيق الخبيث لها ، ومن طابت نفسه سيق إليها الرزق الطيب وسيقت إليه ، فاعمل يا أخي على إصلاح النية واطلب الحلال جهدك ، فإن رزقت حلالا فاحمد اللّه ، وإن رزقت حراما فاستغفر اللّه ، وقد بذلت جهدك فلا يبقى عليك إن شاء اللّه تعالى كثير لوم في الآخرة كلوم من أرخى عنانه في أكل الحرام ولم يجاهد نفسه ولم يدافع الحرام ، وقد كلف اللّه تعالى العبد بمدافعة الحرام ولو كشف له أن اللّه قسمه له ، ومتى لم يدافع عصى فلا يقال كيف يؤاخذ اللّه تعالى العبد على ما قسمه له ، لأن ذلك يؤدي إلى أن يقيم العذر للكفار وجميع العصاة ، ولا يبقى للّه تعالى عليهم حجة ، وذلك خروج عن الشرائع ، فعلم أنه إذا كان من كشف له عن قسمة الحرام له يعصي بترك المدافعة فغيره ممن هو في حضرة الأوهام من باب أولى . وقد أجمع أهل الكشف على أن العبد إذا كشف له عن اللوح المحفوظ من المحو ورأى الحق تعالى قد قدر عليه زنا أو شرب خمر لا يجوز له المبادرة إلى ذلك ، بل يدافع الأقدار جهده حتى يقع في غفلة أو حجاب فينفذ اللّه تعالى فيه قضاءه وقدره ، ولو أنه بادر لعصى ربه واستحق بذلك العقوبة زيادة على عقوبة تلك المعصية . فتأمل ذلك واعمل عليه فإنك لا تجده في كتاب وعاشر أهل الورع من العلماء والفقراء وإياك وعشرة من لا يتورع فإن صفات العبد قد تكون مكتسبة ، ولذلك قالوا إن كل شيء رأيته في جليسك ربما ينتقل إليك ولو على طول من خير أو شر ، فمن خالط أهل الشر فكأنه تعاطى أسباب المعصية ، فيكون عقابه أشد عقاب مما وقع غفلة أو سهوا ، وها أنا أعطيتك ميزانا تعرف بها أهل الورع من غيرهم ، وهو أن كل من رأيته يزاحم عسكر السلطان في الجوامك ويطلب أن يكون له مسموح أو مرتب أو نظر على وقف أو كثرة وظائف فأبعد عنه وكل من رأيته يعرض الحكام عليه المال ويرده فأقرب منه فإنه يعينك على مقصودك ، ومن هنا قالوا ، من تمام التوبة هجر إخوان السوء الذين كان يعصي اللّه معهم ، فإنه إذا شاهدهم وهم يعصون على عادتهم خف القبح الذي كان عنده للمعصية وبالحري أن يرجع إلى فعل ما تاب منه ، فقد بان لك أن مجاهدة النفس في ترك الحرام والشبهات واجبة وأن المدار بعد ذلك على حماية اللّه للعبد أو عدم حمايته ، وأن العبد مثاب في مدافعته سواء قسم له ذلك أم لم يقسم وأنه لا ينبغي لمن قدم له طعام فيه شبهة فلم يأكل منه أن يرى نفسه على من أكل إلا من حيث الشكر للّه على حمايته له لا