عبد الوهاب الشعراني
200
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
واعلم أن اللّه تعالى ما أمرنا بتعليم القرآن والعلم للناس إلا طلبا للأجر الأخروي ، فمن خف عليه تعليمه للناس بلا أجر دنيوي فهو كامل الإيمان ، ومن أحس بثقل إذا علمه بغير أجرة فهو رجل دنيوي خالص وأجره في الآخرة قليل . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : الحكم في جميع الأعمال الصالحة لغلبة الباعث ، فمن غلب عليه تلاوة القرآن لدنيا يصيبها حبط عمله المذكور ، أو للأجر الأخروي فلا حبوط . قال : ومن أراد من الفقراء أخذ الأجرة على القرآن أو العلم من غير نقص الأجر في الآخرة . فليعقد نيته على تلاوته تقربا إلى اللّه عز وجل ، ثم يأخذ تلك الدراهم التي تعطى له على تلاوته على نية أن ذلك ابتداء عطاء من اللّه لا بيع لقراءة القرآن ، والعلم بتلك الدراهم ا ه . واعلم يا أخي أن اللّه تعالى ما أعطى كتابه وسنة نبيه لعباده إلا ليعملوا بهما ، ويعلموهما للناس بالأصالة . وقد روى الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم مرفوعا : « خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه » . وروى الترمذي وقال حديث حسن مرفوع : « من قرأ القرآن فليسأل اللّه به فسيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به النّاس » . وروى الحاكم عن ابن عباس وقال صحيح الإسناد : « من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر » وذلك قوله : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ( 5 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [ التين : 6 ] قال الذين قرؤوا القرآن . والأحاديث في ذلك كثيرة واللّه تعالى أعلم . [ الاستعداد بالطهارة لقراءة القرآن : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نستعد بالطهارة لقراءة القرآن ، ونأمر أصحابنا بذلك بنية تعظيم كلام اللّه عز وجل ونية سجود التلاوة إذا قرأنا آية سجدة أو سمعناها ، ويتعين ذلك أدبا متأكدا على التجار والمباشرين الذين يحضرون المساجد قبل الصلوات في مثل جامع الأزهر ونحوه ، فيجلسون محدثين في لغو وغفلة بل وغيبة ، وربما يمكثون بلا طهارة حتى تقام الصلاة فيذهبون للوضوء فتفوتهم صلاة الجماعة أو بعضها ، فليتنبه الجالس في محل يتلى فيه القرآن ويصلي فيه الجماعة لمثل ذلك فإن عرف من نفسه عدم السلامة من اللغو في المسجد فضلا عن الغيبة ، فليجلس خارج المسجد ليفوز بالسلامة : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى مسلم وابن ماجة والبزار مرفوعا : « إذا قرأ ابن آدم السّجدة فسجد اعتزل