عبد الوهاب الشعراني

196

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

« من حرس ليلة في سبيل اللّه أفضل من ألف ليلة يقام ليلها وصيام نهارها » . والأحاديث في ذلك كثيرة ، واللّه تعالى أعلم . [ الحث على إكرام الغزاة والحارسين : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نكرم الغزاة والحارسين لودائع الناس في مثل العقبة والأزلام ، وكذلك نكرم خفر الدرب من العرب أصحاب الإدراك ، وإذا ضاع لنا شيء لم نلزمهم به إلا بطريق شرعي ، ولو كان لهم على ذلك صرف بيت المال ، بل ينبغي أن نساعدهم بما نقدر عليه من البقسماط والأدم والنقد ترغيبا لهم في الإقامة في تلك الأماكن المخوفة ، ونحوط أمتعة الناس ونبدؤهم بالعطاء ولا نذلهم بالسؤال ، وكذلك نكرمهم إذا وردوا علينا في مصر وغيرها ، ولا نبخل عليهم ونقول إن هؤلاء لهم جامكية من جهة السلطان مع قدرتنا على الإحسان إليهم حسب الطاقة قال اللّه تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] . فمن لم يجد نقدا يعطيه للغزاة فليعطهم ولو رغيفا أو نصفا أو يخدم عيالهم مدة سفرهم ويقوم بمهمات حوائجهم ، ومثل الغزاة والحارسين في سبيل اللّه في تفقد عيالهم بالبر والإحسان كل من سافر لمصلحة إخوانه كالجابي الذي يجبي لهم مال وقفهم أو يأتي لهم بالقمح والحطب وما يقوم بمصالحهم ، فينبغي لإخوانه أن يتعاهدوا عياله وأولاده بالبر وقضاء الحوائج ولا يخل بذلك إلا من ليس له مروءة وما رأت عيني في عصري أحدا قام بهذا الأمر معي ومع أصحابه مثل الشيخ أحمد الكعكي رحمه اللّه . وبالجملة فقد صارت أخلاق المؤمنين قليلة لقلة ارتباط قلوبهم ببعضهم بعضا ولا يقوم بمثل ذلك إلا من باشر صريح الإيمان قلبه وهو مقام عزيز في هذا الزمان لغلظ الحجاب من أكل الحرام وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وروى النسائي والترمذي وقال حديث حسن وابن حبان في « صحيحه » والحاكم وقال صحيح الإسناد مرفوعا : « من أنفق نفقة في سبيل اللّه كتبت بسبعمائة ضعف » . وروى ابن حبان والبيهقي لما نزلت الآية بقوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [ البقرة : 261 ] ، قال النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « اللّهمّ زد أمّتي » فنزلت الآية قوله تعالى : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزمر : 10 ] . وروى الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم مرفوعا : « من جهّز غازيا في سبيل اللّه فقد غزا ، ومن خلّف غازيا في أهله بخير فقد غزا » .