عبد الوهاب الشعراني
190
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
[ الحث على الحلق أو التقصير في النسك : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نحلق رؤوسنا أو نقصر في النسك ويكون معظم قصدنا بذلك أن نحصل دعوة النبي صلى اللّه عليه وسلم لنا بقوله : « اللّهمّ اغفر للمحلّقين » . قال شيخنا : والحكمة في إزالة الشعر بالحلق أو التقصير أنه شرع لكونه مأخوذا من الشعور ، فكان الحلق إشارة إلى زوال الشعور وحصول العلم إذ الشعر حجاب على الرأس ا ه . وقد بسط الشيخ محيي الدين بن العربي أسرار الحج كلها في « الفتوحات المكية » ، فراجعها تر العجب فما رأينا أحدا أبان عنها مثله رضي اللّه عنه . وروى الشيخان وغيرهما أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « اللّهمّ اغفر للمحلّقين ، قالوا : يا رسول اللّه والمقصّرين ؟ قال : اللّهمّ اغفر للمحلّقين ، قالوا : يا رسول اللّه والمقصّرين ؟ قال : اللّهمّ اغفر للمحلّقين ؟ قالوا : يا رسول اللّه والمقصّرين ؟ قال : والمقصّرين » . وروى مسلم عن أم الحصين أنها قالت : سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة واحدة . وروى الإمام أحمد والطبراني بإسناد حسن عن مالك بن أبي ربيعة قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « اللّهمّ اغفر للمحلّقين ثلاث مرّات ، قال رجل من القوم وللمقصّرين ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الثّالثة أو الرّابعة وللمقصّرين » . قال مالك بن أبي ربيعة وأنا يومئذ محلوق الرأس ، فما يسرني بحلق رأسي حمر النعم ، أو خطرا عظيما . قلت : والذي ظهر لي ، أنه صلى اللّه عليه وسلم ما دعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا إلا لشهودهم أنهم وفوا بما كلفوا على التمام ، وذلك معدود من ذنوب الخواص ، فلذلك احتاجوا إلى تكرار الدعاء لهم بالمغفرة ، بخلاف المقصرين فإنهم معترفون بالتقصير ، فلذلك استغفر لهم مرة واحدة لما عساه ينفي غيرهم من دعوى الوفاء بما كلفوا به ، واللّه تعالى أعلم . [ الحث على التضلع من ماء زمزم : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نتضلع من شرب ماء زمزم مدة إقامتنا بمكة امتثالا لقول السائب رضي اللّه عنه : اشربوا من سقاية العباس فإنه من السنة ، وتأسيا بفعله صلى اللّه عليه وسلم وفعل الأنبياء قبله والأولياء والأقطاب إلى وقتنا . وقد سألت اللّه تعالى لما حججت سنة سبع وأربعين وتسعمائة وشربت من ماء زمزم