عبد الوهاب الشعراني
18
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وإنما تظهر هذه العبادة ليقتدي بك الناس فينبغي لمثل هذا أن يمتحن نفسه بما لو جاء أحد يفعل ذلك الخير وتنقاد الناس له مثله أو أكثر منه ، فإن انشرح لذلك فهو مخلص ، وإن انقبض خاطره فهو مراء دق المطرقة ، ولو أنه كان مخلصا لفرح بذلك أشد الفرح الذي قيض اللّه تعالى له من كفاه المؤنة ، ثم إن قالت له نفسه إنما تشوشت لفوات الخير العظيم الذي كان يحصل لك من حيث هو خير فليقل لها إني معتمد على فضل اللّه لا على الأعمال ، فإن دخلت الجنة فإنما هو برحمة اللّه تعالى لا بعملي ، فينبغي للعبد أن لا يصغي لدعوى نفسه في الإخلاص وليمتحن الشيخ أو المدرس نفسه بما إذا فرت جماعته كلهم منه إلى شخص من أقرانه وبقي وحده لا يجد أحدا يتمشيخ عليه ، فإن انشرح لذلك فهو مخلص وإن حصل في نفسه حزازة فالواجب عليه أن يتخذ له شيخا يخرجه من ظلمات الرياء وإلا مات عاصيا وذهب إلى الآخرة صفر اليدين من الخير ، لأن اللّه تعالى لم يقبل له عملا ا ه . وسمعته أيضا يقول : ينبغي للعالم إذا درس في مثل جامع الأزهر أن يحرر نيته قبل ذلك ، ولو مكث سنين بلا إقراء حتى يجد له نية صالحة وذلك لغلبة دخول الأكابر الذين تميل النفوس إلى مراآتهم من الأمراء والأغنياء إلى الجامع ، وكان النووي إذا درس في المدرسة الأشرفية بدمشق يوصي الطلبة أن لا يجيئوا دفعة واحدة خوفا من كبر الحلقة . وكان إذا درس جلس في عطفة المسجد ويقول : إن النفس تستحلي رؤية الناس لها وهي تدرس في صحن المسجد أو صدره . وبلغه يوما وهو يدرس في جامع بني أمية أن الملك الظاهر عازم على الصلاة في الجامع فترك التدريس وحضور المسجد ذلك اليوم . فإياك يا أخي أن تعقد لك مجلس علم أو ذكر اللّه تعالى أو صلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحيث يراك الناس إلا أن تكون سالما من هذه العلل والآفات . وقد حضرت مرة الشيخ العالم العامل شمس الدين اللقاني مفتي المالكية بالجامع الأزهر وهو يقول لشيخنا الشيخ نور الدين الشوني شيخ مجلس الصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : واللّه يا أخي إني خائف عليك من تصدرك في الجامع في هذا المجلس ليلة الجمعة ويومها والأمراء والأكابر ينظرون إليك ، ويعتقدونك على ذلك ويقولون شيء للّه المدد . فربما مالت نفسك إلى حب فرحها بذلك فخسرت الدنيا والآخرة . وسمعته مرة أخرى يقول : إذا فرغ الناس من صلاة الجمعة فاصبر على قراءة سورة الكهف حتى ينفض الناس ، ثم اشرع في القراءة فإن النفس تستحلي رؤية الناس لها في ذلك المحفل العظيم ا ه . فاعلم يا أخي ذلك واعمل به وبهدي هدى الصادقين واللّه يتولى هداك . وروى مسلم والنسائي وابن ماجة وغيرهم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جاءه قوم من مضر مجتابي النمار : أي لابسي العباء الصوف المخطط فتمعر وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما رأى بهم