عبد الوهاب الشعراني

159

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

واعلم أنه قد ورد في حق الفقراء والمساكين : « أغنوهم عن الطّواف هذا اليوم » . يعني أغنوهم عن الطواف على الناس للسؤال عن كل شيء يأكلونه يوم العيد ليصير لهم وقت يستريحون فيه ، ويفرحون بالعيد ويحصل لهم به سرور من أجل التعب والنصب في العبادة مدة شهر رمضان ؛ فإن أحدهم كان يجوع حتى يقع في الجوع المفرط ، ومقتضى الحديث السابق بقرينة العلة المذكورة أن إعطاء الفقراء والمساكين الطعام المطبوخ كالهريسة مثلا أفضل من إعطائهم الحب صحيحا وبه قال الإمام مالك رضي اللّه عنه ، فإن القمح مثلا يحتاج إلى غربلة وتنقية وطحن وعجن وخبز وأجرة ودخول وخروج ووقود وقدر وحوائج طعام وغير ذلك ، وهذا من الإمام مالك رضي اللّه عنه من باب التوسعة على الفقراء وتسهيل الأمر عليهم ، وإن خالف قاعدته الأغلبية من أن الوقوف على حد ما ورد أفضل من الابتداع ولو استحسن ، وقد صحت الأحاديث بتعيين الحب دون الطعام واللحم النيء والمطبوخ ، ولكن قد أذن الشارع للأمة بعده أن يبينوا ما شاؤوا بقوله : « من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها » . وهم أمناء على الشريعة بعد الشارع صلى اللّه عليه وسلم ، فمن وقف على حد ما ورد فهو أحسن ، ومن تعدى إلى أمر تشهد له الشريعة بالحسن فهو الأحسن . وإنما كان الغالب على الناس إخراج الحبوب في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم لقلة الطواحين في عصره صلى اللّه عليه وسلم ، فكان كل واحد يطحن القمح على الرحى في بيته ، فلو أن المخرج للزكاة كلف طحن القمح أو طبخ الطبيخ مثلا للمساكين في ذلك اليوم الذي هو يوم أكل وشرب وبعال لنقص عليه السرور ذلك اليوم ، لأنه كان يشتغل ذلك اليوم كله في عمل الطعام لأهل بيته وللفقراء ، فعادل صلى اللّه عليه وسلم بين الدافع والآخذ في التعب في ذلك اليوم ، فعلى المخرج القمح فقط وما بعد ذلك على الفقير ، وإلا فمعلوم أن الفقير يفرح بالصحن الهريسة يوم العيد أكثر من فرحه بالقمح واللحم والدهن النيء لكونه المطبوخ موافقا لسرور ذلك اليوم عكس القمح ، فإنه يدخل على الفقير هما وشغل بال حتى يصلح للأكل فيفوته كمال السرور في ذلك اليوم . ومن هنا قال بعض العارفين ، إنما سمي العيد بذلك لعود ما كان مأمورا به في غيره من العبادة مباحا تركه أو لعود ما كان منهيا عنه مباحا فيه من نحو الغفلة والسهو ، وعن الإكثار من العبادة وإعطاء النفس حظها من الشهوات ، لأن بدون ذلك لا يتم للإنسان سرور اليوم ، فمن حبس النفس للعبادة في يوم العيد فقد أخطأ حكمة الشارع التي طلبها لأمته في يوم العيد ، ففي الحديث : « أعطوا الأجير أجرته قبل أن يجفّ عرقه » . ولا شك أن النفس كانت مع صاحبها كالأجير في رمضان ليلا ونهارا ، فكان من المعروف إعطاء النفس حظها في يوم العيد ، فهو كالتنفيس لها من تعب التكليف ، فهكذا