عبد الوهاب الشعراني
155
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
لم يكن عنده لقمة خبز ؟ قال : فمذقة من لبن ، قال : أفرأيت إن لم يكن عنده ؟ قال : فشربة من ماء » . والقبصة بالصاد المهملة : وهو ما يتناوله الآخذ بأصابعه الثلاث . وروى ابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « من فطّر صائما يعني في رمضان كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبة من النّار ، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء ، قالوا : يا رسول اللّه ليس كلّنا نجد ما يفطّر الصّائم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يعطي اللّه تعالى هذا الثّواب لمن فطّر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن » الحديث . وروى الترمذي واللفظ له وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان : « أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم دخل على عمارة الأنصاريّة فقدّمت إليه طعاما فقال : كلي ، فقالت : إنّي صائمة ، فقال : إنّ الصّائم تصلي عليه الملائكة إذا أكل عنده حتّى يفرغوا وربّما قال حتّى شبعوا » . وفي رواية لابن ماجة : « إنّ الصّائم تسبّح عظامه وتستغفر له الملائكة ما أكل عنده » واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في الاعتكاف في كل وقت : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نعتكف في كل وقت لا يكون لنا فيه ضرورة لا سيما في رمضان ، فإن كان لنا ضرورة خارج المسجد فالأولى تقديمها على الاعتكاف ، ولولا أن الضرورة تجذب قلب صاحبها وتخرجه من المسجد إذا اعتكف في المسجد لكان الأولى لكل من لزم الأدب مع اللّه تعالى ، أن لا يخرج من المسجد ، لأنه بيته الخاص ولولا خصوصية المسجد ما أمر الشارع بالاعتكاف فيه دون البيوت والأسواق وغيرهما ، ولو أراد صاحب القدم من الأولياء أن تحصل له مراقبة اللّه تعالى في غير المسجد مثل المسجد لما قدر ، فما أمرنا اللّه تعالى ورسوله بالاعتكاف في المسجد إلا لنتنبّه لأنفسنا ، ونعلم أننا بين يدي اللّه تعالى على الدوام شعرنا أو لم نشعر ، فإذا ذقنا ذلك في المسجد وتلذذنا بمراقبة الحق تعالى فيه انجر ذلك إن شاء اللّه تعالى إلى خارج المسجد ، وصرنا نشهد كوننا بين يدي اللّه تعالى على الدوام على الكشف والشهود إلا ما شاء اللّه تعالى . ومن هنا شرع القوم الخلوة للمريد ليتمرن على الوحدة وعدم الشواغل عن اللّه تعالى وأمر الأشياخ مريديهم بعدم مد الرجل في الخلوة على التقليد والإيمان بأنهم بين يدي اللّه تعالى ، وكذلك أمروه أن لا يشتغل في الخلوة إلا بالمأمورات الشرعية وذلك ليعاين العبد ربه فيها على التقليد . وقد قال بعضهم لا تناج ربك إلا بكلامه فإنك إن ناجيته بغير