عبد الوهاب الشعراني
153
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
على التمر المسارعة إلى تحلية النفس بعد تعبها لتطيعنا في وقت آخر إذا دعوناها إلى مثل ذلك العمل الذي حليناها لأجله ، وفي الشرب للماء المسارعة إلى طفء لهيب تلك النار التي تأججت من الجوع وحرارة الطعام حتى انطبخ ، فلو قيل بالجمع بين التمر والماء عند الإفطار لم يكن بعيدا عن مراد الشارع ، لأنهما يكسران حدة الصوم ، وربما كان له ورد من صلاة أو غيرها بعد المغرب فيأتي به على وصف الإقبال وعدم الالتفات إلى الأكل والشرب ، ولذلك ورد : « إذا حضر الطّعام والصّلاة فابدؤوا بالطّعام » . ولعل محل ذلك إذا كان عنده توقان نفس إلى الطعام ، وإلا فقد ورد أيضا : « فابدؤوا بالصّلاة ولا تؤخّروا الصّلاة لشيء » فيحمل ذلك على حالين . فاسلك يا أخي على يد شيخ صادق يطلعك على حكمة جميع الأعمال التي أمرك بها الشارع لتتلذذ بأسرار الشريعة وتزداد محبة فيه صلى اللّه عليه وسلم ، وتعرف أنه أشفق على بدنك وعلى دينك من نفسك ، واللّه يتولى هداك : وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [ الأعراف : 196 ] . روى أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان في « صحيحه » وقال الترمذي حديث حسن صحيح مرفوعا : « إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنّه بركة ، فإن لم يجد تمرا فالماء فإنّه طهور » . وروى أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ، عن أنس قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات ، فإن لم يكن رطبات فتمرات ، فإن لم يكن تمرات حسا حسوات من ماء . وفي رواية لأبي يعلى : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يحب أن يفطر على ثلاث تمرات أو شيء لم تصبه النار . قلت : ولعل الحكمة في ترك الفطر على ما مسته النار كون النار مظهرا غضبيا ، فلذلك أمرنا صلى اللّه عليه وسلم أن نفطر على ماء أو تمر لأنهما مما لم تمسه النار ، ويؤيده أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يتوضأ من الأكل مما مست النار ، ثم إنه ترك ذلك توسعة لأمته فمن يتوضأ الآن من ذلك فلا بأس بتركها عند الفطر لما قيل إنه ناقض في الجملة ، واللّه تعالى أعلم . وقد روى ابن خزيمة وابن حبان في « صحيحيهما » والحاكم وقال صحيح على شرطهما مرفوعا : « فمن وجد تمرا فليفطر عليه ، ومن لم يجد فليفطر على الماء فإنّه طهور » واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في إطعام ما زاد عنا للإخوان : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) إذا كان عندنا طعام من حلال وفاض عنا وعن عيالنا ومن تلزمنا نفقته ، أن نطعمه لإخواننا ، فإن لم نجد حلالا أو وجدناه ولم