عبد الوهاب الشعراني
145
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
« فأحبّ أن يرفع عملي وأنا صائم » . لأن كل يوم الاثنين والخميس أوقات رضا ، ولأوقات الرضا مزية على أوقات الغضب ، فأين من يرفع حاجته في وقت رضا الملك ممن يرفعها في وقت غضبه ؟ ا ه فتأمل ذلك ، واللّه يتولى هداك : وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [ الأعراف : 196 ] . وروى الترمذي وقال حديث حسن مرفوعا : « تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحبّ أن يعرض عملي وأنا صائم » . وروى مالك وأبو داود والترمذي والنسائي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يصوم الاثنين والخميس ، فقال رجل : يا رسول اللّه إنك تصوم الاثنين والخميس فقال : « إنّ يوم الاثنين والخميس يغفر اللّه فيهما لكلّ مسلم إلّا المتهاجرين » ، يعني بغير حق : « فيقول دعوهما حتّى يصطلحا » . وفي رواية للطبراني مرفوعا : « تنسخ دواوين أهل الأرض في دواوين أهل السّماء في كلّ اثنين وخميس فيغفر لكلّ مسلم لا يشرك باللّه شيئا إلّا رجلا بينه وبين أخيه شحناء » . وروى الطبراني ورواته ثقات مرفوعا : « تعرض الأعمال في يوم الاثنين والخميس فمن مستغفر فيغفر له ، ومن تائب فيتاب عليه ، ويردّ أهل الضّغائن بضغائنهم حتّى يتوبوا » . وروى ابن ماجة والنسائي والترمذي وقال حسن عن عائشة قالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتحرى صوم الاثنين والخميس ، واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في صيام أيام البيض : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نصوم ثلاثة أيام من كل شهر لا سيما أيام الليالي البيض ، ولا نترك صيامها إلا لعذر شرعي لا إيثارا لشهوة الأكل ، فإن اللوم إنما هو على من ترك الصوم إيثارا للشهوة ، وهذا يجري معنا في سائر الأعمال : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . ومن فوائد صومها أنها تزيل من صاحبها ما في قلبه من الحقد والغش وسوء الظن وغيرها من الكبائر الباطنة . وقد ورد أن أول من صامها آدم عليه السلام لما وقع في الخطيئة واسودّ وجهه ، فكان كل يوم يبيض منه ثلثه حتى رجع إلى لونه المعتاد بعد صوم هذه الثلاثة أيام ، فكان ذلك تشريعا لأولاده المختصين أن يصوموها إذا وقعوا في معصية واسودت أبدانهم . وأما غير المختصين فربما يقعون في أكبر الكبائر ولا يظهر عليهم شيء من السواد استهانة بهم جزاء على وقوعهم في المعاصي ، استهانة بمحارم اللّه تعالى فرد عليهم عدم الاعتناء بشأنهم نظير فعلهم بخلاف الأكابر من الأمة لما كانت معاصيهم نفوذ أقدار لا انتهاكا للمحارم ، اعتنى الحق تعالى بهم ، ونبههم على ما يزيل الإثم عنهم . وقد