عبد الوهاب الشعراني

132

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

يفسق ، ولا يقول الهجر من الكلام أدبا مع الصفة الصمدانية التي تلبس بنظير اسمها ا ه . وقال سفيان بن عيينة في معنى قوله تعالى : ( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ) . قال : إذا كان يوم القيامة يحاسب اللّه تعالى عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله ، حتى لا يبقى إلّا الصوم فيحمل اللّه تعالى ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة ا ه وهو كلام غريب . ومن فوائد الصوم أنه يسد مجاري الشيطان من بدن الصائم ويصير عليه كالجنة فلا يجد الشيطان من بدنه مسلكا يدخل إلى قلبه منه من العام إلى العام ، ومن الاثنين إلى الخميس أو من الخميس إلى الاثنين ، أو من الأيام البيض إلى الأيام البيض ، أو من الشهر الحرام إلى الشهر الحرام ، أو من عاشوراء إلى عاشوراء ، أو من يوم عرفة إلى يوم عرفة ، كل صوم يكون جنة منه إلى نظيره من الصوم الذي بعده كل جنس بما يقابله ، فللاثنين دائرة وللخميس دائرة ، ولأيام الليالي البيض دائرة ، وللشهر الحرام إلى مثله دائرة ، وليوم عرفة إلى مثله دائرة ، وليوم عاشوراء إلى مثله دائرة ، ولكل دائرة حفظ من أمور خاصة بها فلا يصل إبليس إلى العبد ليوسوس له بها كنظيره من الصلاة والزكاة والحج والوضوء والركوع والسجود ، فكل منهما ذنوب تكفّر بها ، فلا يكفر عمل ما يكفر غيره من الأعمال ، ويؤيد ما قلناه خبر مسلم مرفوعا : « الصّلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر » . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : إنما كان صوم رمضان شهرا كاملا إما تسعا وعشرين أو ثلاثين ، لأن أصل مشروعيته كان كفارة للأكلة التي أكلها آدم عليه السلام من الشجرة ، فأمره اللّه تعالى بصومه كفارة لها . وقد ورد أنها مكثت في بطنه شهرا حتى ذهبت فضلاتها ، وورد : « الشّهر يكون ثلاثين ويكون تسعا وعشرين » فافهم . واعلم أن فائدة الصوم لا تحصل إلّا بالجوع الزائد على الجوع الواقع عادة في غير رمضان فمن لم يزد في الجوع في رمضان فحكمه كحكم المفطر ، سواء في عدم سد مجاري الشيطان لا سيما إن تنوع في المآكل والمشارب وأنواع الفواكه وتعشى عشاء زائدا عن الحاجة ، ثم تعتم بالكنافة أو الحلاوة أو الجبن المقلي ثم تسحر آخر الليل كذلك ، فإن مثل هذا ينفتح من بدنه للشيطان مواضع زائدة عن أيام الإفطار فتكثر مجاري الشيطان التي يدخل منها إلى هلاكه في مثل هذا الشهر العظيم ، الذي فيه ليلة القدر خير من ألف شهر ، وهي مدة أعمار الناس الغالبة وهي ثلاث وثمانون سنة ، فلو وزنت عبادة العبد طول هذا العمر مع أعماله في ليلة القدر لكانت ليلة القدر أرجح من سائر أعماله الخالصة الدائمة التي لا يتخللها فتور فكيف بالأعمال التي دخلها الرياء وتخللها معاص وسيئات وغفلات وشهوات .