عبد الوهاب الشعراني
112
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
فرجحت الزّنية بحسناته ، ثمّ وضع الرّغيف أو الرّغيفان مع حسناته فرجحت حسناته فغفر له » . وفي رواية للبيهقي موقوفا عن علي وابن مسعود : « أنّ الرّاهب نزل إلى المرأة فواقعها ستّ ليال ثمّ سقط في يده فهرب فأتى مسجدا فأوى فيه ثلاثا لا يطعم شيئا فأتي برغيف فكسره فأعطى رجلا عن يمينه نصفه ، وأعطى آخر عن يساره نصفه ، فبعث اللّه إليه ملك الموت فقبض روحه ، فوضعت عبادة السّتّين في كفّة ووضعت السّتّ ليال في كفّة فرجحت يعني السّتّ ليال ، ثمّ وضع الرّغيف فرجح ، يعني على السّتّين سنة » . وروى البيهقي مرفوعا : « إنّ الصّعلوك كلّ الصّعلوك الّذي له مال لم يقدّم منه شيئا » . يعني لم يتصدق منه بشيء ، واللّه تعالى أعلم . [ الحث على التصدق بما تحب : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نتصدق بما نحب أدبا مع اللّه تعالى وعملا بقوله تعالى : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ آل عمران : 92 ] . ونحن نحب أن ننال مقام البر عند اللّه تعالى ونكره أن نكون ناقصي المقام لما فيه من الجفاء والبعد في شهودنا له في نفس الأمر ، ولا يقوم بالعمل بهذا العهد إلا كمل الرجال الذين يغلب عليهم الحضور مع اللّه تعالى . وقد بلغنا أن المنادي ينادي يوم القيامة « ألا من أعطى شيئا للّه فليأت به » فيأتي الرجل بالثياب البالية والكسر اليابسة والأمور التي تزهدها النفوس ، ثم ينادي ثانيا : ألا من أعطى شيئا لغير اللّه فليأت به فيأتي الرجل بالثياب الفاخرة والأطعمة النفيسة والأمور التي تهواها النفوس فيكاد الرجل من الحياء أن يذوب ويسقط لحم وجهه . وبالجملة فمعاملة اللّه تعالى تابعة لمعرفته كثرة وقلة . فاسلك يا أخي على يد شيخ ناصح إن طلبت أن تعرف صفاء المعاملة مع اللّه تعالى ، وإن لم تسلك كما ذكرنا فمن لازمك عدم صفاء المعاملة كما هو مشاهد فيمن يسأل الأغنياء باللّه من الفقراء أن يعطوه رغيفا أو درهما فلا يعطونه ، ويمر على نحو الألف نفس أو أكثر فلا يلتفتون إليه ، ولو أنهم كانوا جالسين بحضرة ملك من ملوك الدنيا وسألهم أرذل الناس بحياة رأس الملك أن يعطوه رغيفا أو درهما لأعطوه المائة رغيف ، أو الدينار الذهب ، أو أكثر مراعاة لوجه العظيم ، فأيما أعظم عند هؤلاء قدرا حينئذ اللّه أو ذلك الملك ؟ فانظر وتأمل في نقص إيمانك وقلة تعظيمك للّه تعالى يا أخي وتب واستغفر وتشهد لتسلم الإسلام الكامل فإن اللّه تعالى يعامل العبد بحسب ما في قلبه من التعظيم وغيره ، ولو أن إنسانا قال السلطان أعظم عندي من اللّه تعالى لحكم الشرع بقتله أشر قتلة لكفره بعد إيمان فتأمل : وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ النور : 46 ] .