عبد الوهاب الشعراني
106
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
يقول : إذا جاءكم مال من غير طيبة نفس الخلق فردوه ، ولو شهدتم أن اللّه تعالى هو المعطي فإنه هو الذي نهاكم عن قبوله فما رددتموه إلا بأمره ، ولسان الحقيقة يقول : ما ثم أحد يملك مع اللّه شيئا كشفا ويقينا فخذوا كل ما وصل إليكم عن اللّه لا عن خلقه ، ولسان الجامعين بين الحقيقة والشريعة يقولون : لا نقبل شيئا للشرع عليه اعتراض لأن كون الأمور ملكا للّه تعالى محل وفاق بين جميع الملل ، وما جعل اللّه تعالى الرقي في الدرجات إلا بالورع عما حرم اللّه ، فإياكم أن تخرقوا سور الشرع ؛ فإن الذي قال لكم الوجود كله ملكي هو الذي نهاكم عن قبول الحرام والشبهات ، وكأنه تعالى يقول : ولو شهدتم أنه ملكي فلا تأخذوه إلا بطيبة نفس من عبدي فلان ، فإن أخذتموه بغير طيبة نفس منه عذبتكم ، فالعذاب إنما هو من أجل مخالفة ما حده اللّه لنا لا من جهة أن العبد يملك مع اللّه تعالى فإنه لا يصح أن يتوارد ملكان حقيقيان على عين واحدة أبدا ا ه . فيجب على صاحب الحقيقة مراعاة الشريعة وعكسه ، ومن لم يكن كذلك فهو أعور لا يصح أن يقتدى به في طريق أهل اللّه تعالى . وأجمع العارفون على أن من شرط الكامل أن لا يطفئ نور معرفته ونور ورعه يعني أن نور معرفته يحجبه عن شهود الملك لغير اللّه ، ونور ورعه لا يكون إلا مع شهود نسبة الملك للخلق ، فالكامل من يتورع عن أكل ما بأيدي الناس إلا بطريقه الشرعي مع شهوده جزما أن ذلك ملك للّه عز وجل . فالزم يا أخي طريق الشريعة وإلا هلكت والسلام . وقد روى الشيخان والنسائي أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول له أعطه لمن هو أفقر إليه مني فقال : « إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه فتموّله فإن شئت فكله وإن شئت فتصدّق به وما لا فلا تتبعه نفسك » . قال سالم فلأجل ذلك كان عبد اللّه بن عمر لا يسأل أحدا شيئا ولا يرد شيئا أعطيه . وفي رواية لمالك مرسلا : « إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعطى عمر عطاء فردّه فقال لم رددته ؟ فقال : يا رسول اللّه أليس أخبرتنا أنّ خيارنا من لا يأخذ من أحد شيئا ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنّما ذلك عن المسألة فأمّا ما كان من غير مسألة فإنّما هو رزق يرزقكه اللّه تعالى فقال عمر : أما والّذي نفسي بيده لا أسأل أحدا شيئا ولا يأتيني بشيء من غير مسألة إلّا أخذته » . وروى أبو يعلى والإمام أحمد بإسناد صحيح والطبراني وابن حبان في « صحيحه » والحاكم وقال صحيح الإسناد مرفوعا : « من بلغه عن أخيه معروف من غير مسألة ولا استشراف نفس فليقبله ولا يردّه فإنّما هو رزق ساقه اللّه إليه » .