عبد الوهاب الشعراني
101
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه تعالى يقول : للّه تعالى رجال يجمعون المال ولا يظهرون قناعة ويلحون في السؤال ثم يعطون كل شيء حصل بأيديهم لمن هو محتاج إليه ولا يذوقون منه شيئا . وبعضهم يجمع من الدنيا عنده حتى لا تستشرف نفسه لما في أيدي الناس أو يقف لهم على باب وكان على ذلك سفيان الثوري رضي اللّه تعالى عنه . وسمعت سيدي عليا الخواص رضي اللّه تعالى عنه يقول : إذا ضاق على فقير أمر معيشته فليسأل اللّه تعالى في تيسير رزق حلال مما قسمه اللّه تعالى له ، ولا يعين جهة ، ليكون ذلك معدودا من جملة الرزق الذي لا يحتسبه ، فإن كل شيء جاء باستشراف نفس فهو غير مبارك فيه ، كما صرحت به الشريعة ثم نقل عن الشبلي أنه كان إذا جاع مد يده وسأل اللّه تعالى ، وقال هذا كسب يميني . وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه تعالى يقول : لا ينبغي لفقير أن يأكل مما وعده به أحد ، لأن نفسه تصير متشوفة له حتى يحضر . وجاءه مرة إنسان وقال قد خرجت لكم عن قنطار عنب فأرسل معي أحدا يحمله فأبى وقال لا نحب أن نأكل إلا ما لم يكن في حسابنا ، فإذا خرجت بعد ذلك عن شيء للفقراء فلا تعلمهم به قبل حضور إن طلبت أنهم يأكلون منه . وبلغنا عن إبراهيم أنه فقد الحلال فسف من التراب مدة أربعين يوما حتى وجد الحلال اللائق بحاله ومقامه . وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه تعالى يقول : ينبغي لكل مؤمن في هذا الزمان إذا حضر عنده طعام أو شراب أن لا يأكل منه حتى يقول بتوجه تام : اللهم إن كان في هذا الطعام شبهة حرام فاحمني منه ، وإن لم تحمني منه فلا تجعله يقيم في بطني ، وإن جعلته يقيم في بطني فاحفظني من المعاصي الناشئة من أكله ، فإن لم تحفظني منها فمنّ عليّ بالتوبة النصوح ، فإن لم تمن علي بالتوبة فالطف بي ، ولا تؤاخذني يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين . وكان يقول : لا ينبغي لفقير السؤال حتى يبيع آلات الدار الزائدة على الضرورة كالطراحة والمخدة والعمامة الزائدة والثوب الزائد والأواني كلهم حتى نعله الزائد . وكان يقول : لا ينبغي لفقير في هذا الزمان إذا وجد الحلال الصرف أن يشبع منه ، بل يأكل بقدر سد الرمق فقط خوفا أن يقع في الحرام . وسمعته أيضا يقول : ليست القناعة أن تأكل كل ما وجدته ولو كسرة يابسة كل يوم ، وإنما القناعة أن تطوي الثلاثة أيام فأكثر مع وجود الأكل عندك ا ه . ولعل مراده رضي اللّه عنه الطي الذي لا يضر الجسم فإن جوع المحققين إنما هو اضطرار لا اختيار ، وذلك لأن الكامل يجب عليه إعطاء كل ذي حق حقه من جسمه أو غيره ، ولا يظلم شيئا من رعيته سواء الجوارح وغيرها . وبالجملة فلا بد لمن يريد العمل