عبد الوهاب الشعراني

10

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

تلك الصفات التي تمنعه من دخول حضرة اللّه تعالى بقلبه لتصح صلاته من باب : ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ولا شك أن علاج الأمراض الباطنة من حب الدنيا والكبر والعجب والرياء والحسد والحقد والغل والنفاق ونحوها كله واجب كما تشهد له الأحاديث الواردة في تحريم هذه الأمور والتوعد بالعقاب عليها ، فعلم أن كل من لم يتخذ له شيخا يرشده إلى الخروج من هذه الصفات فهو عاص للّه تعالى ولرسوله صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه لا يهتدي لطريق العلاج بغير شيخ ولو حفظ ألف كتاب في العلم ، فهو كمن يحفظ كتابا في الطب ولا يعرف ينزل الدواء على الداء ، فكل من سمعه وهو يدرس في الكتاب يقول إنه طبيب عظيم ، ومن رآه حين يسأل عن اسم المرض وكيفية إزالته قال إنه جاهل ، فاتخذ لك يا أخي شيخا واقبل نصحي وإياك أن تقول طريق الصوفية لم يأت بها كتاب ولا سنة فإنه كفر ، فإنها كلها أخلاق محمدية سداها ولحمتها منها . واعلم أن كل من رزقه اللّه تعالى السلامة من الأمراض الباطنة كالسلف الصالح والأئمة المجتهدين ، فلا يحتاج إلى شيخ : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( 14 ) [ القيامة : 14 ] . فأمعن يا أخي النظر في هذه الخطبة والكتاب واعمل به فإنك إن شاء اللّه لا تضل ولا تشقى : وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الأنعام : 45 ] . ولنشرع بعون اللّه تعالى في مقصود الكتاب فنقول ، وباللّه التوفيق : القسم الأول من الكتاب وهو قسم المأمورات [ إخلاص النية في العلم والعمل : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نرجو من فضل ربنا الوفاء وأن نخلص النية للّه تعالى في علمنا وعملنا وسائر أحوالنا ، ونخلص سائر أعمالنا من سائر الشوائب ، حتى من شهود الإخلاص ومن حضور استحقاقنا ثوابا على ذلك ، وإن خطر لنا طلب ثواب شهدناه من باب المنة والفضل ، ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى سلوك طريق القوم على يد شيخ صادق متبحر في علوم الشريعة بحيث يقرر مذاهب الأئمة الأربعة وغيرها ، ويعرف أدلتها ومنازع أقوالها ويقف على أم الكتاب التي يتفرع منها كل قول فيشتغل من يريد الإخلاص في أعماله بذكر اللّه عز وجل ، حتى ترق حجب بشريته ويدخل حضرة الإحسان التي يعبد اللّه تعالى فيها كأنه يراه ، وهناك يشهد العمل كله خلقا للّه تعالى عز وجل ليس للعبد فيه مدخل إلا كونه محلا لبروز ذلك العمل لا غير ، لأن الأعمال أعراض ، والأعراض لا تظهر إلا من جسم ، وهناك يذهب من العبد الرياء والكبر والعجب وسائر الآفات لأن هذه الآفات إنما تجيء للعبد من شهود كونه فاعلا لذلك العمل مع غفلته عن شهود الخالق له ، ومعلوم أنه لا يصح الرياء والتكبر والعجب من