عبد الوهاب الشعراني

80

تنبيه المغترين

أعمال الأخرة ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : تقديم أعمال الآخرة دائما على أعمال الدنيا فيقدم أحدهم ورده بعد صلاة الصبح على سائر مهماته ، كما يقدم التهجد في الليلة الباردة على نومه تحت اللحاف ، وعلى ذلك درج السلف الصالح كلهم رضي اللّه عنهم فمن أصبح وهمته الدنيا فهو خارج عن طريقهم ، وقد رأيت مرة شيخنا أراد التنزه في بستان فترك ذلك اليوم الورد وصلاة الصبح مع الجماعة ، وكان له عمامة صوف وعذبة فقلت له : يا أخي لو لبست لك عمامة مخططة وثوبا مخططا مما يلبسه العياق وصليت الصبح في جماعة وقرأت الورد لكان ذلك أفضل لك عند اللّه تعالى فلم يرد جوابا ، وكان يونس بن عبيد رحمه اللّه تعالى يقول : من لم تكن عنده تسبيحة أو تهليلة واحدة خيرا من الدنيا وما فيها فهو ممن آثر دنياه على آخرته ، وكان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى يقول : ومن خطب الدنيا طلبت منه دينه كله في صداقها لا يرضيها منه إلا ذلك ، وكان سيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه اللّه تعالى يقول : الدنيا ابنة إبليس فمن خطبها كثر تردد أبيها إليه فإن دخل بها أقام عنده بالكلية . ( قلت ) المراد بخطبته الدنيا تمنيها والدخول بها إمساكها ، أي إمساك الفاضل منها عن حاجته لغير غرض شرعي فعلم أن من أراد أن إبليس لا يسكن عنده مع تزويجه ابنته فقد رام المحال ، ولذلك كان يتوسوس في الصلاة والوضوء والنيات كلها كثير من الناس الذين يحبون الدنيا بقلوبهم ، والحمد للّه رب العالمين . ضياع الذرية ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : عدم خوفهم من ضياع ذريتهم من بعدهم ولذلك كانوا ينفقون كل ما دخل يدهم من الدنيا ولا يدخرون شيئا ولو أنهم خافوا على ذريتهم الضياع لحكم عليهم الحرص والبخل والشح وخرجوا عن صفات القوم ، وفي الحديث [ الولد مبخلة مجبنة ] أي يدع أباه بخيلا جبانا عن الجهاد وغيره ، وفي الحديث أيضا [ مالك ما قدمت ومال وارثك ما أخرت ] . وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : أنفق يا ابن آدم ولا يغرنك من حولك من هذه السباع الضارية ابنك وحلائلك وكلالتك وخادمك ، فإن ابنك مثل الأسد ينازعك