عبد الوهاب الشعراني
74
تنبيه المغترين
كثرة الأدب ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : كثرة أدبهم مع من علمهم سورة أو آية من القرآن وهم أطفال فلم يزل أحدهم يتأدب مع من علمه السورة أو الآية أو الباب من العلم حتى إنه لا يقدر يمر عليه راكبا ولا يتزوج له مطلقة ولو صار من مشايخ الإسلام أو من مشايخ الطريق ، ومن جملة أدبهم معه أيضا افتقاده بالهدايا والكسوة له ولعياله ومن يلوذ به إكراما له . وكذلك من أخلاقهم عدم البخل على الفقيه الذي يعلم أطفالهم القرآن ، ولا يستكثرون عليه شيئا يعطونه له من الدنيا ، وقد حكي عن ابن أبي زيد القيرواني صاحب الرسالة رحمه اللّه تعالى أن أعطى فقيه ولده لما علمه حزبا من القرآن مائة دينار ، فقال له الفقيه : أنا يا سيدي ما عملت شيئا أستحق به هذا كله ، قلت فحول الشيخ ولده من عنده إلى فقيه آخر ، وقال هذا رجل مستهين بالقرآن . ( قلت ) : وقد عملت أنا بهذا الخلق بحمد اللّه تعالى مع فقيهي الشيخ حسن الحلبي رحمه اللّه تعالى فكنت أكسوه مع أولاده إلى أن مات ، ولم أر أنني قمت بواجب حقه رحمه اللّه تعالى ، وقد كنت مارا يوما مع الشيخ شمس الدين الدمياطي رحمه اللّه تعالى في سنة ثمان عشر وتسعمائة فرأى الشيخ رجلا أعمى تقوده ابنته فنزل الشيخ من على دابته وقبل يده وماشاه طويلا فلما رجع سألته عنه ، فقال : هذا رجل قرأت عليه وأنا صبي شيئا من القرآن فلا أقدر أمر عليه وأنا راكب ، مع أن الشيخ شمس الدين المذكور كان قد أعطى من الجاه والاعتقاد والعلم والصلاح عند الملوك فمن دونهم ما لم نر أحدا أعطى مثله من أقرانه . حتى أني رأيته بين القصرين يوما والناس يزدحمون عليه لتقبيل يديه ، ومن لم يصل إليه نشر ردائه وحذفه عليه حتى يصيب من ثياب الشيخ ثم يصير يقبل ذلك الرداء كما يفعل الناس ذلك بكسوة الكعبة حين تمر عليهم بالقاهرة ، فرضى اللّه تعالى عن أهل الأدب ، فاعلم ذلك واقتد بهم والحمد للّه رب العالمين . النوافل ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : عدم شهودهم في نفوسهم أن لهم نوافل من العبادات ولو قاموا حتى تورمت أقدامهم ، وإنما يرون ذلك كالجابر لبعض النقص الحاصل