عبد الوهاب الشعراني

72

تنبيه المغترين

فإن ذلك يزيده عداوة وتعظيما للفتنة لكن يحتاج هذا المخالط للعدو إلى حفظ جوارحه من سائر المخالفات لأن العدو ربما كان قصده من المخالطة اطلاعه على عورة أخيه ليصير يهجوه بذلك في المجالس أيام ظهور عداوته له كما هو واقع كثيرا ، فليكن المخالط لعدوه على حذر ولا يخالط إلا من يعتقد فيه الصداقة والمحبة فإن البعد من العدو أولى لكل من لم يكن عنده كمال سياسة وكثرة دين فاعلم ذلك ، والحمد للّه رب العالمين . محاسن الناس ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : رؤية محاسن الناس والتعامي عن مساوئهم حتى أن أحدهم لا يكاد يرى في أخيه المسلم عيبا يهجوه به أبدا ويصير الناس كلهم عنده صالحين ، فعلم أن الصالحين لا يعادون أحدا لحظ نفس وإنما الناس هم الذين يعادونهم حسدا وعدوانا فإن قيل إن صاحب هذا المقام يقل نفعه لأصحابه من حيث عدم النصح والتحذير من المنكر فيصير هذا مرتكبا للمعاصي على الدوام ولا يهتدي لتحذيره عنها لعدم شهودها فيه إذا حمله على المحامل الحسنة فالجواب أنه يهتدي للتحذير بالإلهام الصحيح بواسطة رابطته به أو بقياسه على نفسه ويقول كما إني أرتكب للمعاصي مثلا فكذلك أخي قد لا يخلو منها فإن ما جاز في حقي جاز في حق غيري ومعلوم عند القوم إن ذكرهم نقائص إخوانهم لا يكون إلا على وجه التحذير دون التشفي لبراءتهم عن مثل هذا الفعل لأن الكامل يكني عند القوم أبا العيون فلكل شيء عنده عين تراه بها فيشهد سلامة أخيه من النقائص كالرياء والنفاق ونحوهما بعين ويحتاط له كاحتياط من يتهمه بالنقائص فعلا أو تقديرا بالعين الأخرى ويحذره منها بالعين الأخرى واللّه أعلم . الشكر للّه ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : كثرة شكرهم للّه تعالى إذا كثر حسادهم وأعداؤهم ثم كثرة استغفارهم بعد ذلك فيشكرون اللّه تعالى على تلك النعمة التي حسدهم الناس عليها ويستغفرونه عز وجل من حيث أنه لولا وجودهم ووجود النعمة التي عليهم ما وقع أحد في حسدهم المحرم فاستغفارهم المذكور إنما هو تورع من حيث اللازم للنعمة ، وإلا فوجود النعمة ليس بيدهم ويسمى هذا استغفار الأكابر وكذلك كثرة استغفارهم لمن يحسدهم ورحمتهم له وشفقتهم عليه لكونه أهلك دينه بكثرة حسده لهم