عبد الوهاب الشعراني
70
تنبيه المغترين
الانقياد ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : أن يكون أحدهم هينا لينا ينقاد للصغير كما ينقاد الجمل ، وفي الحديث الذي فيه تسوية الصفوف [ لينوا في يد إخوانكم ] وفي القرآن العظيم [ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ] « 1 » ، إذا علمت ذلك فاعلم أن من جملة لين الفقراء أن أحدهم إذا دخل على جماعة يذكرون اللّه تعالى كذكر الأعاجم أو المغاربة أو الشناوية أو المطاوعة أو الرفاعية مثلا أن يذكر معهم كهيئتهم في الصورة بطريقه الشرعي ، وكذلك يوافقهم في ذكرهم الذي لقنوه حين دخلوا في الطريق من نفي أو إثبات ولا يقول أن هذه الكيفية ليست طريقة شيخنا كما يقع ذلك في كثير من الناس فيفوتهم الأجر مع وقوعهم في الجفاء وغلظ الطبع فاعلم ذلك واعمل عليه ، والحمد للّه رب العالمين . الجوع ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : شدة الجوع بطريقه الشرعي وإن لم يجدوا شيئا حلالا يأكلونه طووا الأيام والليالي وقد جربوا فوجدوا النور كله والخير في خلو الباطن حتى قالوا في المثل السائر في الطبل إنما كان صوته قويا جهوريا لكونه خالي الجوف ، وقد قالوا : ينبغي للعالم أن لا يشبع قط لا سيما أيام التأليف وذلك لئلا يحجب عن كمال الفهم في القرآن والحديث والفقه وغير ذلك ، وذلك لأن فهم الشبعان يكون ضعيفا ومن شك فليجرب وقد أدركنا جماعة كثيرة من الفقراء كانوا رضي اللّه عنهم على قدم الصدق في الجوع حتى كان أحدهم لا يدخل الخلاء إلا كل سبعة أيام مرة حياء من اللّه تعالى أن يكثر تردده للخلاء وهو مكشوف العورة . وقد انتهى أمر سيدي الشيخ تاج الدين الذاكر رحمه اللّه تعالى إلى أن صار يتوضأ في كل اثنى عشر يوما مرة ، وقد كان سيدي علي الشهاوي المشهور بالذؤيب رحمه اللّه تعالى يأمر كل من لقيه بالجوع ويقول إنه سلاح المؤمن وصاحب الجوع إن لم يطع اللّه لم يعصه لعدم وجود داعية تدعوه إلى المعاصي ، وممن صام الدهر كله أخي الشيخ عمر النبتيتي المكشوف الرأس وولد عمه الشيخ عبد القادر المكشوف الرأس أيضا ، وصار كل منهما في غاية النورانية وعلو الهمة رحمهما اللّه تعالى .
--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآية 159 .