عبد الوهاب الشعراني

64

تنبيه المغترين

قيام الليل ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : مواظبتهم على قيام الليل صيفا وشتاء ورؤيتهم تأكده عليهم كأنه فرض حتى قالوا : كل فقير نام في الليل من غير غلبة فلا يجيء منه شيء في الطريق وقد أغفل هذا الخلق كثير من الفقراء فينامون في الليل على طراريح كما ينام العامة وأبناء الدنيا وبعضهم يدخل كل يوم الحمام فلا يخرج منه حتى تطلع الشمس من غير ضرورة بل ترفها ، وما أقبح الشيخ وهو ذاهب إلى الحمام كل يوم بكرة النهار والعامة المريدون يرونه وكان آخر من أدركت من فرسان الليل الشيخ محمد بن عنان كان ورده كل ليلة خمسمائة ركعة وهي ورد المهدي على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام . وكان الشيخ الصالح دو الأحوال والكرامات الشيخ فرج بناحية شان شلمون بالشرقية يجيء لسيدي محمد هذا ويقول له : أهلا براعي الصهيب لأجل كونه كان مواظبا على قيام الليل ، وكان لا يتهجد ليالي الشتاء إلا فوق السطح رضي اللّه عنه ، وفي الحديث [ عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ومقربة إلى ربكم وتكفير لخطاياكم ومنهاة عن الإثم ومطردة للداء عن الجسد ] . وقالت أم سليمان بن داود : يا بني لا تنم الليل فإن من نام الليل جاء يوم القيامة وهو مفلس من الحسنات ، وأوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام : يا داود كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني . وفي الحديث [ إن اللّه تعالى يباهي ملائكته بالعبد إذا قام يتهجد من الليل في الليلة الباردة ويقول انظروا إلى عبدي خرج من تحت لحافه وترك الدنيا وامرأته الحسنى يناجيني بكلامي أشهدكم أني قد غفرت له ] . قال نافع : وكان عبد اللّه بن عمر يقوم من الليل ثم يقول : يا نافع أسحرنا ؟ فيقول له لا فيقوم لصلاته ثم يقول يا نافع أسحرنا ؟ فيقول نعم ، فيقعد فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر ، وكان الإمام زين العابدين رضي اللّه عنه يقول : نام يحيى بن زكريا عليهما السلام ليلة عن ورده ، وكان قد شبع من خبز الشعير فأوحى اللّه تعالى إليه يا يحيى لو اطلعت على جنة الفردوس إطلاعة لذاب جسمك ولبكيت الصديد بعد الدموع وللبست الحديد بعد المسوح ، وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ربما تمر عليه الآية في ورده من الليل فيسقط مغشيا عليه حتى يصير يعاد أياما كما يعاد المريض ، وكان رضي اللّه عنه أيام خلافته لا ينام ليلا ولا نهارا وإنما هي خفقات برأسه وهو جالس وكان يقول : إذا نمت في الليل ضيعت نفسي وإن نمت في النهار ضيعت رعيتي وأنا مسؤول عنهم .