عبد الوهاب الشعراني
57
تنبيه المغترين
معه الرجال يشيعونه من المسجد إلى الدار الأشعث بن قيس فكان يركب والغلمان بين يديه فقال الناس : قاتله اللّه من جبار . فإياك يا أخي وحب الرياسة في شيء من أمور الدنيا أو ما يؤول إليها ، وسيأتي بسط ذلك في مواضع من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى ، والحمد للّه رب العالمين . [ نصح بعضهم بعضا ] ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : نصح بعضهم بعضا فكان الكبير لا يتكدر من نصح الصغير له وبالعكس ، وهذا بخلاف ما عليه أهل الرعونات اليوم ، وقد نصحت أنا مرة شيخا من مشايخ هذا الزمن فهجرني إلى أن مات ، وكان أنس بن مالك رضي اللّه عنه يقول : ما من شيء أحب إلى اللّه من شاب ينصح شيخا ، وشيخ ينصح شابا وبذلك صار الشاب التائب حبيب اللّه ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : [ أوصيكم بالشباب خيرا فإنهم أرق أفئدة إلا وأن اللّه تعالى أرسلني شاهدا ومبشرا ونذيرا فجالسني الشباب وخالفني الشيوخ ] فأنشدوا في ذلك : إن الغصون إذ لاينتها اعتدلت * ولن يلين إذا لايتنه الخشب قال أنس : وكان الشباب على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يتعبدون إلا قليلا فلما توفى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زادوا في العبادة وقالوا : إن كنا في أمان من نزول العذاب بنا في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلما مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذهب ذلك الأمان ، وكان أحمد بن حرب يقول : ينبغي للرجل أن يرتدع عن الهوى والمعاصي إذا بلغ الأربعين سنة ، وإذا طلع الشيب في رأسه ، وإذا حج إلى بيت اللّه الحرام ، وإذا تزوج فإن الزنا بعد التزويج أقبح من كل قبيح ، قلت والمعنى أن ما ذكر يشتد قبحه على من تخلق بهذه الصفات لا أنها كانت مباحة لمن لم يبلغ الأربعين نظير ما قالوا : يستحب للصائم ترك الغيبة . وكان يحيى بن معاذ يقول : أعمر الإنسان في هذه الدار ولو طال إلا كنفس واحد في جنب عيش الجنة ، ومن يضيع نفسا واحدة يعيش به عيش الأبد إنه واللّه من الخاسرين ، وكان كعب الأحبار يقول : الشاب المتعبد أحب إلى اللّه من الشيخ المتعبد ، ومر رجل على حذيفة بن اليمان وحوله فتيان جلوس فقال ما هؤلاء الأحداث حولك ؟ فقال : وهل الخير إلا في الشباب ، أما سمعت قول اللّه تعالى : [ قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ ] « 1 » ، وقوله تعالى : [ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ ] « 2 » ، وقال تعالى :
--> ( 1 ) سورة الأنبياء : الآية 60 . ( 2 ) سورة الكهف : الآية 13 .