عبد الوهاب الشعراني

52

تنبيه المغترين

رؤيتهم لأنفسهم ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : رؤيتهم نفوسهم أنهم من أفسق الناس وأن مثلهم لا يستحق أن يجيب اللّه له دعاء ، ولذلك كان أحدهم يمتنع من أن يخرج مع الناس للاستسقاء ودفع الوباء ، وقد كان سعيد بن جبير يقول : قحط الناس في زمن ملك من ملوك بني إسرائيل فاستسقوا فلم يسقوا ، فقال الملك : إن لم يرسل اللّه علينا السماء وإلا آذيته ، قيل كيف تقدر أن تؤذيه وهو الحق تعالى مستحيل عليه أن يكون في السماء لأنه تعالى منزه عن المكان والزمان ، قال : أقتل أولياءه وأهل طاعته فيكون ذلك له أذى ، فأرسل اللّه تعالى عليهم السماء فضلا منه وحلما . وقالوا لمالك بن دينار : ألا تخرج معنا للاستسقاء فقال أخاف أن تمطر عليكم حجارة لأجلي ، وكان يقول : إنكم تستبطئون المطر وأنا أستبطئ الحجر ، وكان وهب بن منبه يقول : خرج عيسى عليه السلام يستسقي فخرج فضجر ولم يسق ، فقال : من أذنب منكم ذنبا فليرجع ، فرجع الناس كلهم إلا واحدا فقال له أما لك ذنب ؟ فقال : نعم نظرت مرة إلى امرأة فلما ولت أدخلت إصبعي في عيني هذه فقلعتها ، فقال له عيسى عليه السلام : فادع اللّه للقوم ، فدعا فجللت السماء لوقتها وأمطروا . وخرج موسى عليه السلام ثلاثة أيام يستسقي فلم يسق فأوحى اللّه إليه أن فيكم رجلا نماما فلا أستجيب لكم وهو فيكم ، فقال موسى : يا رب من هو حتى نخرجه من بيننا ، فقال يا موسى : أنهاكم عن النميمة وأكون نماما ، فقال موسى عليه السلام : توبوا كلكم عن النميمة فتابوا فسقوا في الساعة ، وكان سفيان الثوري يقول قحط بنو إسرائيل سبع سنين حتى أكلوا الميتة والأطفال ، فكانوا يخرجون إلى الجبال ويتضرعون فلا يجابون ، فأوحى اللّه إلى موسى أن قل لهم لو عبدتموني حتى صرتم كالسوط البالي ما قبلت لكم دعاء حتى تردوا المظالم إلى أهلها ، وأصاب بني إسرائيل مرة أخرى قحط فاستسقوا فلم يسقوا ، فأوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام كيف أستجيب لهم وقد خرجوا بأبدان نجسة ورفعوا إلى أكفا قد أكلوا بها الحرام حتى ملئوا بطونهم فلا يزدادون مني إلا بعدا وقحطا فليتوبوا وأنا أرفع عنهم القحط . وقحطوا مرة أخرى حتى أكلوا الكلاب الميتة ، وكانوا يستسقون فلا يسقون ، فأوحى اللّه تعالى إلى موسى قل لهم : لو مشيتم بأقدامكم حتى تجثوا على ركبكم ويبلغ عملكم عنان السماء وتكل ألسنتكم من الدعاء فإني لا أجيب لكم داعيا ولا أرحم فيكم باكيا حتى