عبد الوهاب الشعراني
35
تنبيه المغترين
فإن رجال البلاء إنما هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقد كان الإمام الشافعي رضي اللّه عنه مبتلى بمرض البواسير فكانت تنضح عليه دما ليلا ونهارا حتى كان رضي اللّه عنه يجلس للحديث والطشت تحته يقطر فيه الدم ، فقال يوما : اللهم إن كان في هذا رضاك فزدني منه فسمعه شيخه الإمام مسلم بن خالد الزنجي رحمه اللّه تعالى فزجره وقال له : مه يا محمد سل اللّه العافية فأنا وأنت لسنا من رجال البلاء وكان أبو بكر رضي اللّه عنه يقول في خطبته : أيها الناس سلوا اللّه العفو والعافية فإن المؤمن لم يعط بعد الإسلام أفضل من العفو والعافية وسيأتي بسط الكلام على هذا الخلق مفرقا في الباب إن شاء اللّه تعالى ، والحمد للّه رب العالمين . خوفهم من النار ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : كثرة خوفهم من اللّه تعالى في حال بدايتهم وحال نهايتهم لكن في حال بدايتهم من الذنوب وخوف العذاب ، وفي حال نهايتهم خوف الإجلال والتعظيم ومن لازم خوفهم الندم ضرورة في الحالتين ، وفي الحديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : [ يا صفية عمة رسول اللّه ويا فاطمة بنت محمد أنقذا أنفسكما من النار فإني لا أغني عنكما من اللّه شيئا ] ، وفي الحديث [ البر لا يبلى والذنب لا ينسى والديان لا يفنى فكن كما شئت كما تدين تدان ] . وقد كان أبو سعيد الخدري رضي اللّه عنه يقول : أربع إذا أفرط فيها الرجل أهلكته واستهوته كثرة الجماع والصيد والقمار والذنوب ، وكان أبو تراب النخشبي رحمه اللّه تعالى يقول : إذا أجمع الرجل على ترك الذنوب أتته الإمدادات من اللّه تعالى من كل جانب ، ومن علامة سواد القلب ثلاث : أن لا يجد للذنوب مفزعا ، ولا للطاعة موقعا ، ولا للموعظة منجعا . وكان أبو محمد المروزي رحمه اللّه تعالى يقول : إنما شقي إبليس بخمس خصال : لأنه لم يقر بذنبه ولم يندم عليه ، ولم يلم نفسه ولم يبادر إلى التوبة وقنط من رحمة اللّه تعالى ، قال : وعكس ذلك آدم عليه الصلاة والسلام فإنه سعد بخمس خصال : أقر بذنبه وندم عليه ، ولام نفسه وبادر إلى التوبة ، ولم يقنط من رحمة اللّه تعالى . وكان حاتم الأصم رحمه اللّه تعالى يقول : إذا عصيت ربك فبادر بالتوبة والندم ولا تعتذر للناس فاعتذارك إليهم أعظم من معصيتك ، وكان إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى يقول : لأن أدخل النار وقد أطعت اللّه تعالى أحب إليّ من أن أدخل الجنة وقد عصيته ، وكان الأوزاعي رحمه اللّه تعالى إذا رأى أحدا من قرابة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في معصية يقول له لا تغرنكم