عبد الوهاب الشعراني

32

تنبيه المغترين

المحبوس عن داره وعياله ويتكدر ، كذلك يحزن أولياء اللّه تعالى على طول عمرهم وسجنهم في هذه الدار عن لقاء ربهم عز وجل . وفي الحديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : [ والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى اللّه عز وجل ] ، وقد كان عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه يقول : عجبت من ضاحك ومن ورائه النار ، ومن مسرور ومن ورائه الموت . وكان الحسن البصري رحمة اللّه تعالى لا يراه أحد إلا ظن أنه قريب عهد وأكفانه قد خرجت من عند القصار ، وكان ابن مرزوق رحمه اللّه تعالى يقول : من ادعى أن الذنوب غمته وأحزنته ثم جمع في إدامه بين عسل وسمن فهو كاذب ، وكان الأوزاعي رحمه اللّه تعالى يقول : في قوله تعالى : [ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ] « 1 » ، الصغيرة وهي التبسم في هذه الدار ، والكبيرة هي القهقهة فيها . ( قلت ) : ولعل مراده رحمه اللّه تعالى بالتبسم هذا الضحك بصوت يسمعه من في مجلسه إذ التبسم كان ضحكه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان ثابت البناني رحمه اللّه تعالى يقول : ما ضحك مؤمن قط إلا وهو في غفلة عن الموت ، وكان عامر بن قيس رحمه اللّه تعالى يقول : أكثر الناس ضحكا في الدنيا ، أكثرهم بكاء في النار ، ومكث سعيد بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى لم يضحك منذ أربعين سنة حتى مات ، وكذلك غزوان الرقاشي ، وكان أنس بن مالك رضي اللّه عنه يقول مع كل ضحاك في مجلس شيطان . وقد مرت معاذة العدوية رحمها اللّه تعالى يوما على شبان يضحكون وعليهم ثياب صوف فقالت : سبحان اللّه لباس الصالحين وضحك الغافلين ، وكان وهيب بن الورد رحمه اللّه تعالى يقول : الضحك الذي لا إسراف فيه هو الذي يظهر به السن ولا يسمع له الصوت ، واللباس الذي لا إسراف فيه هو ما وارى العورة ووقاك من الحر والبرد ، والطعام الذي لا إسراف فيه هو ما سد الجوع وكان دون الشبع . وكان عون بن أبي زيد رحمه اللّه تعالى يقول : صحبت عطاء السلمي رحمه اللّه خمسين سنة فما رأيته ضاحكا قط ، وكان عبد العزيز بن أبي داود رحمه اللّه تعالى يقول : لما ظهر المزاح في أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنزل اللّه تعالى : [ أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ] « 2 » ، فتركوا المزاح حينئذ وخشعوا رضي اللّه عنهم انتهى .

--> ( 1 ) سورة الكهف : الآية 40 . ( 2 ) سورة الحديد : الآية 16 .