عبد الوهاب الشعراني

25

تنبيه المغترين

أطلب منك الحديث يا إمام ، فقال له الإمام أحمد : كيف تطلب الحديث وليس لك تهجد في الليل اذهب من حيث جئت . وكان الإمام الشافعي رضي اللّه عنه يقول : ينبغي للعالم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فيما بينه وبين اللّه تعالى ، فإن كل ما ظهر للناس من علم أو عمل قليل النفع في الآخرة وما رأى أحد أحدا في منامه بعد موته وقال غفر اللّه لي بعلمي إلا قليل من الناس ، وقد رؤى الإمام أبو حنيفة رضي اللّه عنه بعد موته فقيل له : كيف حالك ؟ قال : غفر اللّه لي ، قيل له : بالعلم ، فقال هيهات إن للعلم شروطا وآفات قل من ينجو منها ، قال : ورأى بعضهم الجنيد بعد موته رحمه اللّه تعالى فقال له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : قد طاحت تلك الإشارات وفنيت تلك العبارات وما نفعنا إلا بعض ركيعات كنا نركعها في السحر ، وقال : ورأى بعضهم أبا سهل الصعلوكي بعد موته رحمه اللّه تعالى فقال له : ماذا صنع علمك ؟ فقال : كل ما كان من دقائق العلوم وجدته هباء منثورا إلا بعض مسائل سألني عنها العوام انتهى . ففتش يا أخي نفسك في علمك وعملك وابك على نفسك إن رأيت عندها رياء أو سمعة مما ينهاك عنه هؤلاء السادة من العلماء العاملين المخلصين والحمد للّه رب العالمين . الهجر ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : هجرهم لأخيهم إذا خالط الأمراء وتردد إلى أبوابهم لغير ضرورة شرعية ولا لمصلحة كقيامه بالأمر بالمعروف ونحوه عملا بحديث [ إن في جهنم واديا يقال له هيهب أعده اللّه للجبارين وللقراء المداهنين الذين يدخلون على أمراء الجور ] . وقد قال والي البصرة يوما لمالك بن دينار رحمه اللّه تعالى أتدري ما الذي جرأك علينا في أغلاظك القول وعدم قدرتنا على مقابلتك عدم طمعك فيما بأيدينا وزهدك فيه ، وكان ابن السماك رحمه اللّه تعالى يقول دخلت يوما على والي البصرة فقال لي : عظني يا ابن السماك فقلت له أف عليك وعلى من ولاك مظالم العباد ، إنما تصلحون أن يسد بكم الجسور ، وقد دخل محمد بن واسع على قتيبة بن مسلم وعليه مدرعة صوف ، فقال له قتيبة : ما الذي دعاك إلى لبس مدرعة الصوف فسكت محمد فقال : ما لي أكلمك وأنت ساكت فقال محمد : أن قلت زهدا زكيت نفسي وإن قلت فقرا شكوت ربي . وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : واللّه ولو استأذن عليّ هارون الرشيد ما أذنت له إلا أن أغلب على ذلك فكيف بمن يذهب هو إليه من هؤلاء الفقراء ، وقد جاء