عبد الوهاب الشعراني

256

تنبيه المغترين

لأصحابه اجعلوا الأهوال التي بين أيديكم علي بالكم لعل أن تتوبوا عن المعاصي قبل موتكم ، فإنه ما من أحد يعصى ربه عز وجل إلا وهو ناس للحساب ومقاساة الأهوال وإني أحذركم وأحذر نفسي من يوم آلى اللّه فيه على نفسه ان لا يترك عبدا حتى يسأله عن عمله كله دقيقه وجليله سره وعلانيته ، فانظروا بأي بدن تقفون بين يديه مع هول ذلك الموقف ، وبأي لسان تجيبون فأعدوا للسؤال جوابا وللجواب صوابا . وكان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يقول : كم من فضيحة يكشفها الحساب غدا ، وكان أبي بن كعب رضي اللّه عنه يقول : يؤتى بالنار يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام على صورة الجاموس يقود كل زمام منها سبعون ألف ملك مغلقة أبوابها عليها ملائكة سود معهم السلاسل الطوال والأنكال الثقال وسرابيل القطران ومقطعات النيران لأعينهم لمعان كلمع البرق الخاطف ولوجوههم لهب كالنار شاخصة أبصارهم لا ينظرون إلى ذي العرش جل جلاله تعظيما له ، فإذا دنت النار وكان بينها وبين الخلائق خمسمائة عام زفرت زفرة فلا يبقى أحد إلا جثا على ركبتيه وأخذته الرعدة فصار قلبه معلقا إلى حنجرته لا يخرج ولا يرجع إلى مكانه ، وذلك قول اللّه تعالى : [ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ] « 1 » وينادي إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء اللهم لا تهلك عبادك بخطيئتنا ثم توضع النار عن يسار العرش ثم يؤتى بالميزان فيوضع بين يدي الجبار جل جلاله ثم يدعى الخلائق للحساب ، فلو أن للرجل مثل عمل سبعين نبيا ما ظن أنه ينجو من شدة ذلك اليوم ، ومكث عتبة الغلام يأكل الخبز بالماء ثلاثين سنة وكان يأتدم في بعض الأحيان بالملح أو البقل أو الخل ، وكان يعجن عجينه ويقرصه في الشمس فإذا جمد أكله ويقول المراد بالأكل أن يرد عني كلب الجوع . وكان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يقول : جوع الصديقين كرامة لهم وجوع الزاهدين جوع حكمة ، وكان أبو سليمان الداراني يقول : الجوع عند اللّه في خزائنه لا يعطيه إلا لمن أحب ، وكان يقول : أحلى ما تكون العبادة لي إذا لصق بطني على ظهري ، وكان يقول : لأن أترك لقمة من عشائي أحب إليّ من قيام ليلة إلى الصباح . وكان وهب بن منبه رضي اللّه عنه يقول : التقى ملكان في السماء الرابعة فقال أحدهما للآخر : من أين أتيت فقال أمرت بسوق حوت في البحر إلى فلان اليهودي ليأكله فقال الآخر : من أين جئت ؟ قال : أريق زينا اشتهاه محمد العابد خوفا أن يأكله فينقص من حظه في الآخرة ، وفي الحديث [ طوبى من هدى للإسلام وكان عيشه كفافا وقنع ] ورأى بعض الملوك فقيرا جلس

--> ( 1 ) سورة غافر : الآية 18 .