عبد الوهاب الشعراني
227
تنبيه المغترين
وقد كانت شعوانة العابدة رحمها اللّه تعالى تنوح كل ليلة وتبكي إلى الصباح ، فدخل عليها جماعة يوما فقالوا لها : ارفقي بنفسك ، فقالت : واللّه لقد وددت أن أبكي الدم فضلا عن الدموع حتى لا يبقى في جسدي قطرة من دم وكانت تقول : اللهم اغفر لكل من تعرض لمعصيتك بعد معرفتك ، وقد قالت مرة : اللهم بحبك لي إلا ما غفرت لي ، فقالوا لها : ومن أين عرفت أنه يحبك ، فقالت : لولا محبته لي ما أقامني بين يديه في الظلام والناس نيام . وقد كانت معاذة العابدة رحمها اللّه تعالى تحيي الليل كله بالصلاة فإذا غلب عليها النوم قامت فجالت في الدار وهي تقول : يا نفس النوم أمامك في القبر أما في سرور وفرح وأما في عذاب وحسرة ، وقد أرادت أم إبراهيم العابدة رحمها اللّه تعالى أن تجاور بمكة ثم تركت ذلك فقالوا لها في ذلك ، فقالت : علم أني لا أصلح لخدمته فطردني من حضرته . وكان ذو النون المصري رحمه اللّه تعالى يقول : خرجت ليلة من وادي كنعان فلما علوت الوادي إذا سواد مقبل فحققت النظر فإذا هي امرأة ، فقلت : من هذا السواد ؟ فقالت : ومن هذا الرجل ، فقلت : غريب ، فقالت : سبحان اللّه وهل مع اللّه غربة ، قال ذو النون : فبكيت من قولها ، فقالت : لو كانت صادقا ما بكيت ، فقلت : وهل عدم البكاء من الصدق ، قالت : نعم لأن البكاء راحة للقلب والصادق لا يطلب راحة في هذا الدار ، قال ذو النون : فعجبت من قولها وقلت لها : عظيني بموعظة ، فقالت لي : عليك بالحياء من اللّه تعالى فإن عطاء السلمي مكث أربعين سنة لا يرفع طرفه إلى السماء حياء من اللّه . وقد سمعت رابعة العدوية سفيان الثوري رحمهما اللّه تعالى يقول : واحزناه ، فقالت له يا سفيان لا تقل ذلك لو كنت حزينا ما تفرغت لهذا القول ، قل : واقلة حزناه فإنه إلى الصدق أقرب ، وقد كان عفيرة العابدة رحمها اللّه تعالى لا تمل من الكباء فقيل لها أما تسأمين من كثرة البكاء ؟ فقالت : كيف يسأم إنسان من دوائه وشفائه ، وقد كانت أم العلاء السعدية رحمها اللّه تعالى تبكي وتصلي طول ليلها وتقول ذنوبي كثيرة فلم تزل تبكي حتى ذهب بصرها . وقد بكيت بردة العابدة رحمها اللّه تعالى حتى ذهب بصرها فلاموها على ذلك فقالت : لو رأيتم بكاء العصاة يوم القيامة لقلتم إن هذا البكاء كاللعب ، وقد مكثت ابنة محمد بن سيرين رحمهما اللّه تعالى عشرين سنة في مصلاها لا تقوم إلا للوضوء والصلاة فقط ، وقد كانت معاذة العدوية رحمها اللّه تعالى تصلي في الليل الطويل فكانت تكل الرجال وهي لا تكل .