عبد الوهاب الشعراني
223
تنبيه المغترين
وقد دخل جماعة على عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى في مرضه يعودونه فرأوه ناحل الجسم جدا ، فقالوا له : ما الذي بلغ بك إلى ما نرى ؟ فقال : هموم وأحزان تولدت من خوف الحساب وسوء المنقلب . ولما مات منصور بن المعتمر رحمه اللّه تعالى قال رجل لأمه : ما فعل منصور ؟ فقالت : إن منصورا رحمه اللّه تعالى صام فلم يفطر إلا عند ربه عز وجل ، وقد كانت ابنة جاره تراه دائم القيام بالليل على سطح داره فكانت تظن أنه عمود لطول قيامه فلما مات فقدته ، فقالت لأهله : ما صنع ذلك العمود الذي كان فوق سطحكم ، فقالوا لها : قدم على ربه عز وجل ، فقالت : كيف ؟ قالوا : لم يكن في سطحنا عمودا إنما ذلك منصور كان يقوم طول الليل . وقد كان الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه دائما يذكر ذلك ويبكي حتى تبتل لحيته ، وكان داود الطائي رحمه اللّه يواصل العبادة ليلا ونهارا حتى لم يبق له وقت يأكل فيه ولا يشرب فكان يأكل السويق والفتيت دون الخبر ويقول : بين مضغ اللقمة وبلعها قراءة كذا وكذا آية ، قال : ودخل عليه رجل يوما يزوره فرأى في سقف بيته جذعا مكسورا فأخبره بذلك ، فقال له : واللّه يا أخي إن لي في هذا البيت عشرين سنة ما رفعت رأسي إلى سقفه حياء من اللّه تعالى . وقد كان الناس يجلسون إلى أحمد بن رزين رحمه اللّه تعالى فما يرونه يلتفت يمينا ولا شمالا فقالوا له في ذلك ، فقال : إن اللّه تعالى إنما خلق العينين للاعتبار فكل من نظر بغير اعتبار كتبت عليه خطيئة . وقد كانت امرأة مسروق رحمهما اللّه تعالى تقول : واللّه ما كان مسروق يصبح من ليلة من الليالي إلا وساقاه منتفختان من طول القيام ، وكان أجلس خلفه فأبكي رحمة له ، وكان رحمه اللّه إذا طال عليه الليل وتعب صلى جالسا ولا يترك الصلاة ، وكان إذا فرغ من صلاته يزحف كما يزحف البعير من الضعف . وكان أبو الدرداء رضي اللّه عنه يقول : لولا ظمأ الهواجر وقيام الليل ما أحببت البقاء في هذه الدار ، وقد صام الأسود بن زيد رحمه اللّه تعالى في الحر حتى اخضر جسده وصلى حتى سقط فدخل عليه الحسن البصري ومالك بن دينار رحمهما اللّه فقالا له : إن اللّه لم يأمرك بكل هذا ، فقال : إنما أنا عبد مملوك واللّه لو أني سجدت على الجمر عمري كله بل منذ خلق اللّه الدنيا إلى قيام الساعة ما أديت شكر عافية ساعة واحدة ولا شربة ماء .