عبد الوهاب الشعراني
213
تنبيه المغترين
وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : إذا رأى حلقة درسه قد كبرت قام عجلا مرعوبا وقال أخذنا واللّه ولم نشعر فتبعه الناس يوما وقالوا له : مثلك لا يخاف من مثل ذلك ، فقال : بلى أنا أخوف الناس من ذلك لما عرفه من دناءة أخلاقي ، واللّه لو رآني عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه جالسا في مثل هذا المجلس لضربني بالدرة وأقامني ، وقال لي : أنت لا تصلح لمثل ذلك . وكان مطرف بن عبد اللّه يقول : لأن أبيت نائما وأصبح نادما أحب إليّ من أن أبيت قائما وأصبح معجبا أرى نفسي على النائمين ، وقد كان السلف يعيبون على العباد كثرة صيامهم وقيامهم خوفا عليهم من العجب ، وكانوا يقولون لهم تعلموا العلم ثم اعملوا فإن لكل عمل أدبا شرعيا ، وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : لو أن عمل ابن آدم كله حسنا لكان يهلك نفسه من العجب ولكن اللّه تعالى ابتلاه بشهود النقص فيه رحمة به ، وقد قال رجل مرة لإبراهيم التيمي رحمه اللّه تعالى ما تقول يا فقيه في كذا ، فقال إبراهيم : إن زمانا صرت أنا فيه فقيها لزمان سوء ، وكان حذيفة المرعشي رحمه اللّه تعالى يقول : إن لم تخف أن يعذبك اللّه تعالى على أفضل أعمالك عندك فأنت هالك اه . وقد كانت رابعة العدوية رحمها اللّه تعالى تقول : أكثر ما أكون راجية للخير حين تقل أعمالي الصالحة أي لكونها كانت معتمدة على فضل اللّه تعالى وامتنانه لا على الأعمال ، وكان حسان بن سنان رحمه اللّه تعالى يطلب من أعوان الولاة أن يدعو له فقيل له في ذلك فقال : لعل في أحدهم خصلة يحبها اللّه تعالى ولعل في خصلة يبغضها اللّه تعالى ولعلي أرى نفسي خيرا منه فيكون خيرا مني ، ولما مرض عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى أشاروا عليه بالدفن في المكان الرابع عند قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : فارتعد من كلامهم وقال : واللّه لأن يعذبني اللّه تعالى بالنار أحب إليّ من أن يعلم اللّه تعالى من قلبي أنني أرى نفسي أهلا لذلك . وقد سئل ابن السماك رحمه اللّه تعالى عن حقيقة العجب فقال : هو أن تتطاول على الناس بعملك فتحقر كل من رأيته مقصرا في العمل ، وكان سفيان الثوري رحمه اللّه يكثر العبادة فقيل له يوما إذا نراك تكثر من العبادة فقال : لا يستكثر عبادته في عينه إلا الجاهل باللّه تعالى فإن الملائكة عليهم الصلاة والسلام لا تفتر عن العبادة طرفة عين ولو أنها استكثرت أعمالها لم يجعلها اللّه تعالى في حضرته السماوية وأنهم مع ذلك يقولون سبحانك ما عبدناك حق عبادتك . وقد سمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : إن لم تخف أن يهلك اللّه تعالى بالنقص الذي في أعمالك الصالحة فضلا عن معاصيك فأنت هالك ، وكان يزيد بن هارون