عبد الوهاب الشعراني

206

تنبيه المغترين

السنة على صحة توبة العبد من القتل ومن أخذ المال بلا حق ومن شرب الخمر ومن سائر المعاصي . وقد سئل مسروق رحمه اللّه تعالى هل لقاتل المؤمن من توبة ، فقال : لا أغلق بابا فتحه اللّه تعالى ، وقد كان أبو الجوزاء رحمه اللّه تعالى يقول : إن العبد ليذنب فلا يزال نادما حتى يدخل الجنة فيقول إبليس : ليتني لم أوقعه فيه ، وكان أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه يقول : خياركم كل مذنب تواب ثم يتلو [ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ] « 1 » ، وكان الربيع بن خيثم رحمه اللّه تعالى يقول : لا يقل أحدكم أستغفر اللّه تعالى وأتوب إليه فيكون ذلك ذنبا وكذبا إن لم يفعل ، ولكن ليقل اللهم اغفر لي وتب عليّ ، فقيل له : إن قول العبد أستغفر اللّه قد ورد في السنة فقال ذلك في حق الصادقين اه . وكان ابن عباس رضي اللّه عنهما يقول : لم يبلغني في كتاب ولا سنة ولا بلغ علمي أن اللّه تعالى قال الذنب لا أغفره ، قلت : لعل مراده رضي اللّه عنه عدم ورود هذا اللفظ بخصوصه ، وإلا ففي القرآن [ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ] « 2 » فيحمل كلامه رضي اللّه عنه على ذنوب أهل الإسلام كما حمل العلماء قوله تعالى : [ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ] « 3 » على ذلك . وقد كان ثابت البناني رحمه اللّه تعالى يقول : ما شرب داود عليه الصلاة والسلام شرابا بعد الذنب إلا ممزوجا بدموع عينيه ، وكان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى يقول : دخلت على جار لي وهو مريض وكان مسرفا على نفسه فقلت يا أخي عاهد اللّه تعالى أن تتوب عسى أن يشفيك فبكى فسمعت قائلا من ناحية البيت يقول : إن كان عهده كعهدك معنا فلا فائدة فيه فإنك عاهدتنا مرارا فوجدناك كاذبا ، قال : فغشى عند ذلك على مالك ، وكان طلق بن حبيب رحمه اللّه تعالى يقول : إن حقوق اللّه تعالى أعظم من أن يقوم بها العباد وإن نعمة اللّه تعالى أكثر من أن يحصوها ، وكان ذو النون المصري رحمه اللّه تعالى يقول : إن اللّه تعالى رزقنا فوق قدرتنا وكلفنا دون قوتنا فلم نكتف بما رزقنا من القوت ولم نبذل قوتنا فيما كلفنا ، وكان مجاهد رحمه اللّه تعالى يقول : من لم يتب كل صباح ومساء فهو من الظالمين ، وقد قيل للحسن البصري رحمه اللّه تعالى ماذا تقول فيمن يتوب ثم ينقض ثم يتوب ثم ينقض وهكذا ، قال : ما أراه إلا مؤمنا فعل أخلاق المؤمن .

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 222 . ( 2 ) سورة النساء : الآية 48 . ( 3 ) سورة الزمر : الآية 53 .